قطع اللجاج في الرد على سليل آل فراج..
رد على عماد فراج في رسالته (مهمات في مسألة تحكيم القوانين)
........................
الحلقة الثانية (2)والاخيرة
قولك:
[الرابعة: من تأمل قصة الخوارج مع علي رضي الله عنه؛ وجد أنه لم ينكر عليهم تكفيرهم من حكم بغير ما أنزل الله؛ إنما أنكر عليهم رفضهم للتحكيم، وظنهم أنه مخالف لقول الله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، الذي احتجوا به عليه.] اهـ.
التعليق:
1-أين هذا الإقرار من عليٍّ-رضى الله عنه-لا سيما وهي مناظرة،
والمناظرات قد يستعمل فيها المناظر التسليم الجدلى والتنزل وغير ذلك،
وإلا فقل لي بربك كيف فهمت مناظرة إبراهيم-عليه السلام-مع النمرود -عليه اللعنة-لما قال أنا أحيي وأميت؟
هل أجابه الخليل -عليه السلام-؟
وهل لما ترك الخليل-عليه السلام-جوابه عن هذه؛ هل هذا يعد ٌإقراراً بربوبية النمرود وعدم إنكار لها؟ سبحان الله!
2-العجب مِن هذا، يطعن في على بن أبى طالب-رضي الله عنه-لنصرة مذهبه الخارجي؛ فإنه يرى أن علياً أقرَّ الخوارج على سيئ مذهبهم!
فمعلوم أن الخوارج فهموا من الآية تكفير من لم يحكم بما أنزل الله مطلقاً وبذلك كفروا مرتكب الكبيرة بل وبعضهم كفر العاصي مطلقاً واستدلوا بهذه الآية وغيرها فأراد هذا أن يجعل علياً-رضى الله عنه -مقراً لهم في أسوء ما هم عليه وأن يجعل الخلاف بينهم وبينه في رفضهم للتحكيم فحسب فيرمي علياً بمذهب الخوارج وهو لا يشعر.
3-التخبط في فهم النصوص والاستدلال،
فتارةً يقول بأن الآية تدل على أن من نازع الله في الحكم فهو كافرٌ الكفر الأكبر ويرى أن الخوارج قد فهموا الآية فهماً صحيحاً وقد أقرهم على بن أبى طالب!
وتارة يقول: إن مسألة تنحية الشريعة وتحكيم القوانين لم تكن في تلك الأزمنة وهي خارجة عن هذه القسمة التي دلت عليها الآية أصلاً.
وما زلنا معه في حيرة!
4-يبقى السؤال الذي ننتظر جوابه وبلا مراوغة هل تحكيم القوانين يستدل عليه بهذه الآية أم لا؟ وما وجه الدلالة؟ وما دليل التفصيل ؟!
نبئونا بعلمٍ إن كنتم صادقين.
5-قوله (نازع الله) فعلٌ والفعل يدل على الإطلاق لا العموم فهي كلمة مجملة تحتمل المنازعة المطلقة التي تقتضي الجحود لحكم الله واستحلال الحكم بغيره وادعاء حق التشريع دون الله وما إلى ذلك وهذا كفر أكبر بلا نزاع وتحميل مطلق المنازعة وهي المنازعة العملية التي لا تقتضي التكفير والتي أشار إليه حديث {عن أبي هريرة -قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله-عز وجل-:" الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما، قذفته في النار} رواه أبو داود وغيره،
ومعلومٌ أن التكبر من الكبائر، فهل تكفر المتكبر مطلقاً بلا تفصيل؟
أم تفصل؟
وإذا فصلت-وهذا ظني-فما دليل التفصيل رغم أنه منازع لله-عز وجل-فلماذا لم تكفره بإطلاق؟
6-لا نختلف في أن مبدأ الخلاف بين عليٌ-رضي الله عنه-والخوارج-كلاب النار-رفضهم التحكيم فهذا كان مبدأ الخلاف بينهم لكنهم-أي الخوارج-طردوا ذلك فكفروا مرتكبَ الكبيرة بل والصحابةَ جميعاً،
ألا ترى أن تكفير مرتكب الكبيرة لا ذكر له ساعتئذٍ وأنه ظهر بعد ذلك؟!
فكيف تحصر الخلاف في رفضهم للتحكيم، وظنهم أنه مخالف لقول الله-تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}؟
7-كلام الذهبي-رحمه الله-الذي استدللت به -وهو عندك من أهل البدع-لا يدل على ما ذكرت وفهمت.
8-قول عليٍ-رضي الله عنه-" كلمة حق أريد بها باطل " يدل دلالة قاطعة على ما ذهبنا لا ما فهمت أنت،
فالكلمة حق: لأنها كلام الله (لا حكم إلا لله)،
أريد بها باطل: دل على سوء فهمهم وقصدهم،
فمن أين لك أن علياً أقرهم؟
وهل كل سكوت إقرار؟
وهل إقرار غير المعصوم حجة؟
9-ما ذكرت عن علي-رضي الله عنه-أنه دعا بالمصحف، ووضعه بين يديه، وطفق يحركه بيده، ويقول: أيها المصحف حدث الناس؛ فناداه الناس؛ ما تسأل؟ إنما هو مداد، وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه؛ فماذا تريد؟ قال: أصحابكم الذين خرجوا؛ بيني وبينهم كتاب الله تعالى؛ يقول في كتابه: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} .... إلخ
لا اشكال فيه ولا دلالة فيه على ما ذهبت إليه من أنه أقرهم على فهمهم الخاطئ بأي وجه من الوجوه.
10-خطأ الخوارج في قولهم بأن ما فعله عليٌ-رضي الله عنه-هو تركٌ لحكم الله إلى غيره واضحٌ جلي،
وردُّ عليٍ-رضي الله عنه-عليهم واضحٌ أيضاً،
وسوقك الأمر بهذه الطريقة يوهن حقيقة الخلاف بين الصحابة والخوارج ويصوره في مجرد فهم خاطئ لآية، وهذا كما ترى فيه تقريب للخلاف بين أصحاب النبي وكلاب النار يشبه التقريب الإخواني بين السنة والشيعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قوله:
[الخامسة: مَن في زمان ابن عباس رضي الله عنهما؛ ترك الشرع المنزل، وافترع شريعة من عنده (القوانين الوضعية، والدساتير العلمانية)، وحكم بها؛ حتى تنزل المرجئة كلامه على الحكام المعاصرين، وتقول: قال ابن عباس: كفر دون كفر؟] اهـ
التعليق:
1- لا يلزم وقوعُ هذه الصورة في زمن ابن عباس-رضي الله عنهما-حتى يتنزل عليها قوله؛ لأنها فرد من أفراد من لم يحكم به أنزل الله وصورة من صورها، وهذا واضح جداً.
ألا ترى أنه ليس بلازم أيضاً وقوع جميع صور هذه المسألة في زمن ابن عباس حتى يتسنى له تفسيرها!
2- إن ابن عباس-رضي الله عنهما-لم يقصد حصر تفسير الآية في كفر دون كفر.
كيف وهي نازلة أصلاً في اليهود؟!
ولكنه قصد أنها تشمل كفراً دون كفر أيضاً،
وعلى هذا التفصيل درج السلف بلا تناقض بين أقوالهم، فمن كفَّر الكفر الأكبر فللجحود والاستحلال،
ومن نص على الأصغر فلغير الجحود والاستحلال وهذا واضح أيضاً.
3- دعوى أن هذه الصورة لم تقع في زمن ابن عباس خطأ لأن هذه الصورة وقعت قبل زمان النبي-صلى الله عليه وسلم-من اليهود حين غيروا حكم التوراة في الرجم وحرفوه إلى شريعة سارية نافذة؛ فهي أشبه ما يكون بقانونٍ وضعيٍ نسبوه لله رب العالمين، فكان كفرهم أكبر بلا خلاف، وهذا حقيقة ما فعله التتار في الياسق،
فإطلاق القول بأن هذا لم يقع في ذلك الزمان غفلة قبيحة.
فالحق أن كلا الصورتين وقع: صورة (الكفر الأكبر)، وصورة (كفر دون كفر).
وبقيت صورة:
(قانونٍ وضعيٍ لا يُنسب لله، ولا يُفضّل على حكم الله، ولا يُستحَلُّ الحكم به) فهي إحدى صور الكفر الأصغر لاختلافها عن صورة كفر اليهود حيث نسبوا تحريفهم لله وجحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بما كتبوه بأيديهم فلا يمكن إلحاق هذه الصورة الحادثة بتلك الصورة القديمة لقيام هذا الفارق الكبير.
قوله:
(على أن له قولاً آخر، وهو صحيح ثابت عنه، وهو قوله: (هي به كفر)، وفي لفظ: (كفى به كفره) رواه عبد الرزاق في تفسيره (1/191) بسند صحيح.) اهـ
التعليق:
قلت: مازال الرجل يتحفنا بما يظهر مبلغ علمه وقدر عقله!
فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" رواه مسلم.
فما الفرق؟ {هي به كفر} و{هما بهم كفر}!
وقوله: [وفي لفظ: (كفى به كفره)] ظن أنها تنفعه وأنها أصرح من سابقتها.
ومعناها: (كفره: الكفر الذي اتصف به) فما هو هذا الكفر؟
الجواب: يفسره اللفظ الآخر (كفر دون كفر)،
فهل كلمة (كفره) يفهم منها العقلاء أنها الأكبر ولابد؟
أم أنها في كفر مضاف إلى صاحبه وقد تقدم تفسيره في الروايات الأخر؟
وهب أنه الكفر الأكبر فهذا قطعاً في الجاحد والمستحل كما ذكر الطبري-رحمه الله-.
ليس العتب عليك وإنما العتب على من يقرأ لك ويعجبه شأنك! ويظن أنك على شيء.
قوله:
(إن هذه الآثار إنما نطق بها هؤلاء الأئمة؛ للرد على الخوارج الذين يكفرون كل من حاد عن شرع الله في الحكم، وهذا حق؛ فمن عظم الشريعة، وحكم بها، وحاكم إليها؛ ثم خالف حكم الله في مسألة، أو أكثر؛ فهذا ينطبق عليه قول من قال: (كفر دون كفر)؛ أما من نحى الشريعة جانباً، وحكم بالياسق، أو بالقانون الفرنسي، أو بغيره من القوانين؛ فهذا بلا مثنوية؛ كافر بالله العظيم.) اهـ
التعليق:
1- هذا حق قام به الأئمة القدماء في الرد على خوارج زمانهم وقام به الأئمة المعاصرون في الرد على خوارج عصرهم.
2- ومع ذلك فقولهم ذلك في مقام الرد على الخوارج لا يلزم منه الحصر في ذلك ولا إسقاط العموم من كلامهم.
3- زعمت أن من خالف حكم الله في مسألة، أو أكثر؛ فهذا ينطبق عليه قول من قال: كفر دون كفر) فما ضابط ذلك وهل له نهاية وما نهايته إن وجدت؟
4-هل مجال الحكم القضائي هو كل الشريعة ليصح القول بالتنحية للشريعة كلها؟
5-وماذا لو كانوا يصلون ويشهدون الجمع والجماعات-ولو أحياناً-ويجعلون جامعات تحت إشراف الدولة على التعليم الإسلامي -على زعمهم-وينطلقون من فتاوى الأزهر-على ما فيه-ولهم وزارات أوقاف ووعظ فهل يسلم لك القول بأن هؤلاء نحوا الشريعة كلها؟
4-قولك وحكم (بالياسق) أو (بالقانون) جمعٌ بين مختلفين. وقد سبق بيان حقيقة الياسق وموقف التتار منه.
قوله:
(حيث لم يفرقوا بين الحكم العام الذي صار شرعاً يتبع، ونظاماً تقوم عليه مؤسسات الدولة، وعقيدة راسخة عند حكامها يحمونها بقوة السلاح، ويعاقبون بالقتل والسجن من دعاهم إلى تركها، وتحكيم شرع الله، وبين الحكم في واقعة أو وقائع؛ مع تحكيم الشريعة) اهـ
التعليق:
1-إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله في واقعةٍ أو وقائع؛ لا يستلزم الكفر الأكبر فالتعميم أيضاً لا يستلزمه ولا فرق.
وإذا كان التعميم يستلزم التكفير فكذلك في الواقعة الواحدة يستلزم التكفير ولا فرق.
وإذ قد سلمت أن الحكم في الواقعة المعينة ليس كفراً أكبر لزمك أن تقول إنه معصية فحسب ولابد.
وإذا قلت ذلك تركت قولك ولابد!
ألا ترى أن تعميم المعاصي-التي لا تبلغ حد الكفر-والقتالَ عليها وإلزامَ الناس بها ليس كفراً أكبر؟
وإذا قلت: إن تعميم هذا الحكم-الذي أصله معصية لا كفر باعترافك-صار كفراً لزمك أن تكفر من حكم في القضية المعينة – ولو كان معظماً للشريعة ذائداً عن حياضها ولا يشفع له ذلك
ألا ترى أن قليل الكفر كفر وكثير المعصية معصية؟!
3-ولو سلمنا بذلك-جدلاً-فما حكم من لم يكفر هؤلاء المعينين أمرجئ هو عندك أم مجتهد مخطئ؟
4-ومن ثم فما قولك في الإمام أحمد-رحمه الله-من عدم تكفيره للمعتصم؟
وما حكمك في الإمام عبد العزيز الكناني-رحمه الله-ولم يكفر المأمون؟
مع حملهم الناس على مقولة الكفر بالسلاح والسجن والترغيب والترهيب؟
فهل تبدعهما؟
أم تكفرهما؟
أم تعذرهما؟
أم تسكت تقية؟
أم تسكت للمصلحة؟
أم تفرق بين القانون الوضعي والقول بخلق القرآن الذي صح فيه الإجماع على تكفير من قال القرآن مخلوق؟ فتأتي بالعجب؟!
فاذا كان الذي يحمل الناس على الحكم بغير ما أنزل الله بالسلاح كافر بالله العظيم بعينه بلا مثنوية؛ فكيف بمن يحمل الناس على الكفر المجرد وهو القول بخلق القرآن وكيف بمن لم يكفره؟
قوله:
(وكذلك في فهمهم لكلام أهل العلم؛ فابن إبراهيم، والشنقيطي، وأحمد شاكر -على سبيل المثال -عند ذكر الصورة الأولى؛ يقولون بالتفصيل المعروف، وفي الصورة الثانية: يصرحون بكفر من تلبس بها، وينبهون على أن مسألة تحكيم القوانين خارجة عن هذا التفصيل، وعلى أن من احتج بأثر ابن عباس، وأسقطه على هذه الصورة؛ فهو من المضللين.) اهـ
التعليق:
قلتَ في النصائح السلفية إلى مدرسة الإسكندرية- قبل أن تنتكس-:
[ثانيا: العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
"وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله من تحكيم شريعته والتقيد بها ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقدًا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة". اهـ (ص-ف62 –1 في9/1/1385)] اهـ
وقلت أيضاً في المرجع السابق-قبل الانتكاس-:
ولا تنس –أخي طالب الحق– إعادة النظر والتمعن فيما نقلناه لك من فتاوى أئمة العصر في مسألة تحكيم القوانين. وبهذه المناسبة نقول للذين يحتجون، بفتوى العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -المعروفة برسالة تحكيم القوانين-رويدكم، لا تفرحوا، فها نحن قد سقنا لكم فتوى له يوافق فيها سبيل من سلف ( ) فيما ذهبوا إليه من أن المسألة فيها تفصيل وأنه لا يكفر كفراً أكبر إلا إذا استحل، هذا وقد عورض الإمام ابن باز بفتوى شيخه هذه –أي: رسالة تحكيم القوانين-في اللقاء الذي أجرته معه مجلة الفرقان – العدد(82).
سئل –رحمه الله–:
هناك فتوى للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ –رحمه الله– يستدل بها أصحاب التكفير هؤلاء على أن الشيخ لا يفرق بين من حكم بغير شرع الله عز وجل مستحلاً ومن ليس كذلك، كما هو التفريق المعروف عند العلماء؟
الشيخ ابن باز: هذا الأمر مستقر عند العلماء كما قدمت أن من استحل ذلك فقد كفر، أما من لم يستحل ذلك كأن يحكم بالرشوة ونحوها؛ فهذا كفر دون كفر، أما إذا قامت دولة إسلامية لديها القدرة فعليها أن تجاهد من لا يحكم بما أنزل الله حتى تلزمه بذلك.
ثم سئل: وهم يستدلون بفتوى الشيخ إبراهيم؟
الشيخ ابن باز: محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم فهو عالم من العلماء، يخطئ ويصيب وليس نبيًا ولا رسولا، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء كلهم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يرد على فاعله.
وفي شريط (الدمعة البازية) احتج سلمان العودة –أيضاً– برسالة تحكيم القوانين، وجرى بينه وبين الشيخ ابن باز –رحمه الله– الحوار التالي:
سلمان: سماحة الشيخ، الشيخ محمد –رحمه الله– ابن إبراهيم في رسالته ذكر أن الدول التي تحكم بالقانون دول كفرية يجب الهجرة منها.
فقال الشيخ ابن باز: لظهور الشر، لظهور الكفر والمعاصي.
فقال سلمان: الذين يحكمون بالقانون.
فقال الشيخ ابن باز: شفت رسالته –الله يغفر له– بل يرى ظاهرهم الكفر، لأن وضعهم للقوانين دليل على رضي واستحلال، هذا ظاهر رسالته –رحمه الله– لكن أنا عندي فيها توقف، إنه ما يكفي هذا حتى يعرف أنه استحله، أما مجرد أنه حكم بغير ما أنزل الله أو أمر بذلك، ما يكفر بذلك مثل الذي أمر بالحكم على فلان أو قتل فلان ما يكفر بذلك حتى يستحله، الحجاج بن يوسف ما يكفر بذلك ولو قتل ما قتل حتى يستحل، لأن لهم شبهة، وعبد الملك ابن مروان، ومعاوية وغيرهم، ما يكفرون بهذا لعدم الاستحلال، وقتل النفوس أعظم من الزنا وأعظم من الحكم بالرشوة".اهـ بحروفه وهامشه!
أليس هذا ما خطه بنانك؟
أليس هذا ما رقمته يدك؟
فنعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر.
وقلت أيضاً في كتابك المومى إليه:
[وأما الشيخ الشنقيطي فقد احتجوا بكلام مجمل له، ضاربين بما فصل بعد ذلك ( ) عرض الحائط، وهذا ديدن أهل البدع في كل زمان ومكان يقولون ما لهم ويتركون ما عليهم، بينما أهل السنة لفرط إنصافهم وعدلهم يقولون ما لهم وما عليهم، أقول: فقد جئناكم –آنفا– بكلام للشيخ –رحمه الله – يدحض مزاعمكم، يبين فيه الشيخ الحق في هذه المسألة، وأنه يذهب فيها إلى التفصيل كغيره من إخوانه العلماء، يدلك على ذلك –أخي طالب الحق– أن الشيخ قال: "واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث.... الخ" فتأمل ( ) حتى لا يقول قائل لم لا يكون ما نقلناه عن الشيخ هو الأصل الذي يعتمد عليه والأخير من أقواله الذي استقر عليه.
وأنا أترك القارئ الكريم أن يقرأ ما نقله برهامي عن الشيخ الشنقيطي في هذه المسألة، ومنه:" فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأبدانهم، كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الخلائق لها، وهو أعلم بمصالحهم سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا". ثم أوجه إليه سؤالا: كيف سيكون حال الشباب بعدما يقرأ هذا الكلام، لا شك أن الشباب سيترسخ لديهم ما يلي:
أن مجرد تحكيم القوانين كفر أكبر مخرج من الملة.
أن المسألة ليس فيها أقوال أخرى للعلماء، لاسيما ولم ينقل الدكتور ياسر إلا ما وافق رأيه، وهي أقوال الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ الشنقيطي والشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمود شاكر؟!
ولو فرض أن الشباب قرأ شيئاً مخالفاً لما في المنة، فعلى أضعف الأحوال سيعتقد أن المسألة خلافية والخلاف ضعيف. -وإن كان برهامي لا يرى أنها خلافية-.
أما هو فلم ينقل إلا عن هؤلاء وليس هذا لضيق وقته أو فتور همته، إنما لأنه لم يجد لغير هؤلاء المشايخ الفضلاء ما يوافق كلامه ورأيه في المسألة، والصحيح أن شيئاً من ذلك لم يكن، أما فتوى الشيخ ابن إبراهيم وكلام الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان، فقد مر بك أنهما يوافقان إخوانهما من العلماء وأن الدكتور ومن على شاكلته قد ترك المحكم واتبع المتشابه ونقل المجمل وأعرض عن المفصل، وأما كلام الشيخ أحمد شاكر فقد نقله برهامي من (عمدة التفاسير) فقال: "المنة ص (172)" "ولقد بين الشيخ احمد شاكر والشيخ محمود شاكر ضلال من يقول: أن تحكيم القوانين الوضعية في التشريع العام كفر دون كفر وأنها من جنس ما قال فيه ابن عباس رضي الله عنهما لمن كانوا يسألونه من الخوارج ويستدلون على كفر حكام بنى أمية بقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فقال: فيه ابن عباس "كفر دون كفر".اهـ
وبالرجوع إلى عمدة التفاسير طبعة دار الوفاء (الطبعة التاسعة) المجلد الأول ص (وما بعدها).
لم نجد فيها ذكراً لحكام بني أمية، كما ذكر، وهذا الصنيع إذا تلبس به مسلم عد ذلك تدليساً فظيعاً وكذباً شنيعاً، فكيف بمن نسب نفسه لأهل العلم وتصدر للدعوة والتدريس؟! ولكن لا عجب فهو معتاد على هذا، حيث يدلس في النقول ويبتر فيها على حسب ما يوافق هواه.
أقول: وإذا كان الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله– يعتقد أن تحكيم القوانين لا يجوز أن يقال فيه أنه كفر دون كفر، ويشنع على المخالف في ذلك، فهذا اجتهاد منه -رحمه الله-والعلماء يخالف بعضهم بعضاً، والشيخ أحمد شاكر خالفه غير واحد في مسائل حديثية وفقهية، وهذه المسألة من الأشياء التي اجتهد فيها الشيخ وخولف(*)
وأيضاً عندما ينقل الباحث قولاً لعالم ما –وهو يعلم يقيناً– أن له قولاً آخر في المسألة، ثم يعمد إلى حجب هذا القول الآخر –لأنه على غير هواه– ألا يعد ذلك كذباً على هذا العالم، وتدليساً على القراء وغشاً لهم، إن برهامي إذ نقل قول الشيخ الشنقيطي في المسألة كان حرى به أن ينقل بقية أقواله، أما أن يعمد إلى ذكر ما يوافقه ويحجب ذكر ما يعارضه فليس هذا من صنيع أهل العلم. وأيضا الباحث يود لو جمع في بحثه جميع ما ذكر في المسألة من أقوال العلماء ليقوى بها بحثه وينصر بها رأيه، لاسيما والمسالة المطروحة شائكة، ومع ذلك رأيناه يكتفي بذكر ثلاثة نصوص فقط. لماذا؟! لأنه لم يجد غيرها، هذه واحدة، والثانية أنه يعرف أن ما قاله وذكره على شفا جرف هار، أما نحن فلما أردنا أن ننقل أقوال العلماء في المسألة لم نحتج إلى شيء من ذلك، بل وجدناها أمامنا متكاثرة يعضد بعضها بعضاً وينصر بعضها بعضاً، والذي تركناه من أقوالهم أكثر مما ذكرناه، لأن الحق قوي بنفسه لا يحتاج من ينصره، إنما نقلنا ما نقلنا من باب "أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" فتركنا فتاوى عبدالعزيز آل الشيخ والفوزان والغديان والجابري ومحمد عبد الوهاب البنا وصالح السحيمي وآل طامي والأطرم وعبد الصمد وصالح آل الشيخ وعلى فقيهي وغيرهم،
أفيليق بالباحث أن يترك هذه الأقوال المتكاثرة لجمهور أهل العلم ويذهب إلى أقوال هي في الحقيقة عند التأمل تعود إلى قول الجمهور؟! كفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم وكلام الشيخ الشنقيطي، أو تخالفه ككلام الشيخ أحمد شاكر، -وكما ذكرنا قبل أن المخالفة لا تضر-وأن العلماء مازالوا قديماً وحديثاً يختلفون، وعلى كل حال فالشيخ أحمد شاكر –رحمه الله-ليس بنبي ولا رسول.] اهـ بحروفه وهوامشه.
وزيادة على كلامك أضيف قائلاً:
1- إن كان كلام الشنقيطي-رحمه الله-حجة في التكفير بالحكم بالقوانين الوضعية بإطلاق وبلا تفصيل فهل تأخذ به أيضاً في تفسير هذه الآيات التي زعمت أن ابن عباس وغيره من الأئمة إنما فسروها في مقام الرد على الخوارج فحسب ص27 النصائح السلفية.
2- وهل كان الشنقيطي-رحمه الله-إذ فسرها بذلك مرجئاً؟ أم وافق قوله قول المرجئة؟
3- الفهم الصحيح لكلام الشنقيطي-رحمة الله عليه-يتضح من خلال قوله:
(الذين يعدلون عن نور الله الذي شرعه على ألسنة أوليائه) إنما قصد تحليل الحرام وتحريم الحلال حيث قال: (فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه الله).
ومعنى ذلك: أن من زعم تحريم ما أحله الله فهو مكذب لله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، وكذلك من زعم تحليل ما أحله الله فهو مكذب لله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-أيضاً، أما من أقر بذلك التحليل والتحريم ثم حكم بغيره؛ فهي مسألة (الحكم بغير ما أنزل الله) التي فيها التفصيل المعروف.
قال الشنقيطي-رحمه الله-الذي احتججت بفهمك السيئ لكلامه-رحمه الله-:
ويفهم من هذه الآيات كقوله: (ولا يشرك في حكمه أحداً) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون"
فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان) اهـ [3/259]
وقال أيضاً:
(كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم وأن الطلاق ظلم للمرأة وأن الرجم والقطع ونحوهما من الأعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك فتحكيم هذا النوع كفر بخالق السماوات والأرض.) اهـ[3/259-260]
وقال أيضاً:
"واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منهما ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة والكفر المخرج من الملة تارة أخرى.
(ومن لم يحكم بما أنزل الله) معارضة للرسل وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقة وكفره كلها كفر مخرج عن الملة (ومن لم يحكم بما انزل الله) معتقداً أنه مرتكب حراماً فاعلٌ قبيحاً فكفره وظلمه وفسقة غير مخرج عن الملة "اهـ [الأضواء 1/407]
إلى أن قال:
"وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب فمن كان امتناعه من الحكم بما أنزل الله لقصد معارضته ورده والامتناع من التزامه فهو كافر ظالم فاسق كلها بمعناها المخرج من الملة ومن كان امتناعه من الحكم لهوى وهو يعتقد قبح فعله فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة إلا إذا كان بما امتنع من الحكم به شرطاً في صحة إيمانه كالامتناع من اعتقاد ما لابد من اعتقاده هذا هو الظاهر في الآيات المذكورة كما قدمنا والعلم عند الله تعالى"اهـ [1/411-412]
وقال أيضاً:
(وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين هو ما شرعه الله فكل تشريع من غيره باطل والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه) اهـ[7/48] الأضواء.
فهذا كلام الشنقيطي-رحمه الله-أوضح من شمس النهار أنه على التفصيل المعروف عن السلف سواء في قضية أو تشريع وأن مناط الكفر الأكبر عنده هو الاستحلال كالذين استحلوا الميتة أو الجحود كالذين يقولون الرجم وحشية والطلاق ظلم وهكذا،
ومن طمس الله بصيرته فخلط الأوراق ودلس على الناس فالله حسيبه.
ثم إن الشنقيطي-رحمه الله-ممن يترحم على أبي حنيفة ويدافع عنه ويلتمس له المعاذير بل ويراه إماماً!
فأنت الآن في مأزق خطير:
إما أن تبدعه ولا تحتج بكلامه؛ لأنه يفصل في تحكيم القوانين هذه واحدة،
ولا يبدع أبا حنيفة وهذه الثانية-عندك-.
وإما أن تعتذر له –مع ذلك-فيلزمك منهج الموازنات الذي تفر منه.
أو يلزمك ألا تبدع من قال بقوله وفصل كتفصيله.
ثم أليس محمد بن إبراهيم من هؤلاء الأئمة الذين أخفوا تبديع السلف لأبي حنيفة؟ فلماذا عفوت عنه ههنا بينما شمله عموم قولك في موضع آخر: [فليت شعري من أعطى علماء الدعوة حق التصرف في تراث الأمة والافتيات على إجماع أكابرها الذين أطبقوا على ذم مرجئة الفقهاء وتبديعهم والتحذير منهم على وجه العموم ومن أبي حنيفة على وجه الخصوص] أليس هو ممن وقع في [الخيانة العظمى والجناية الكبرى] أم تستثنيه من أئمة الدعوة؟ إجابة على تساؤلات صـ23
والآن مع بع أقوال الشيخ محمد بن إبراهيم في أبي حنيفة:
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله : ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال. (فتوي 1322)
( 2264 ـ لايشترط أن يحكم بصحة الوقف حاكم )
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الفضيلة رئيس المحكمة الشرعية الكبرى سلمه الله )
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد :
فبالاشارة إلى تحريركم المؤرخ 3/6/ 1375هـ بشأن استفهامكم عن وقف قاسم بن محمد النقشيندي . وماذكره في وقفه من الشروط ، وأن هذه الشروط تبطل الوقف على مذهب الامام أحمد ، وأنه وقف هذا الوقف ولم يحكم به حاكم ، ومذهب الامام أبي حنيفة أنه لايلزم الوقف إلا بحكم حاكم ، وأنه يريد إبطال هذا الوقف .
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عوض عتيق إلىباوى سلمه الله
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته . وبعد:-
فقد جرى الإطلاع على سؤالك عن الضبع أهي مباحة, أم لا؟
يأكلون الخشيشة, وإلافيون, ونحوهما من المسكرات والمفترات .
والجواب:-وبالله التوفيق , وأن العلماء في الضبع قولين :- أحدهما التحريم, وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه على أساس أنها من ذوات إلأنياب التي جاء فيها حديث أبى هريرة, عن النبي( أنه قال :"كل ذي ناب من السباع فاكله حرام" رواه مسلم.
(974 ـ أخذ الذهب والفضة عن الجذعة )
وأما الدليل على أخذ الذهب والفضة بدلاً من الجذعة والقيمة في الزكاة عن بهيمة الأنعام . فلا أعلم فيه دليلاً صحيحاً صريحاً من السنة ، ولهذا ذهب الجمهور إلى المنع من دفع القيمة وأنها لا تجزئ ،وجوز ذلك أبو حنيفة رحمه الله
وتوريث ذوي الأرحام هو مذهب الامام أبي حنيفة رحمة الله عليه ،ومذهب الامام أحمد رحمه الله ، وثاني قولي الامام الشافعي رحمه الله ، ودليل توريثهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الخال وارث من لا وارث له"(4) والله أعلم .وصلى الله عليه وسلم وآله وصحبه .
(ص / ف 133 في 14 / 3/ 1375) .
ومحمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً. قوله: من غير تفسير. أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.
مفتي الديار السعودية (ص/ف 3486/ في 28/7/1389هـ)
وقال عن كتاب الفقه الأكبر (4498- الفقه الأكبر)
شهرته معروفة معلومة وثابت عن أبي حنيفة بالأسانيد الثابتة، ويوجد من هو داعي في الأحناف ليس منهم أشكل عيه نسبته إليه، وذلك لما دخل عليه من التجهم فرآه يخالف معتقده، وذلك أن كثيراً منهم أشعرية الاعتقاد أو ما تريدية الاعتقاد، فرأوا أنه يتعين نفي ذلك عن أبي حنيفة، وان الإمام إمام صدق، وذلك لجهلهم بإمامهم وبالكتاب والسنة، كما وقع لغيرهم من أتباع الأئمة. (تقرير حموية).
ولما حضر أُناس إلى الإمام أَبي حنيفة رحمه الله وسأَلوه عن وجود الله سبحانه وتعالى، قال لهم: دعوني فإني مفكر في أَمر أُخبرت عنه، لقد ذكر لي أَن سفينة في البحر موقرة فيها أَنواع من المتاجر وليس بها أَحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أَن يسوقها أَحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال لهم الإمام أَبو حنيفة: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأَشياء المحكمة أَليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأَسلموا على يديه لله رب العالمين. (ص-م-11-10-87هـ)
((لاَ يَزْنيْ الزَّانيْ حيْنَ يَزْنيْ وَهُوَ مُؤْمنٌ)) قول بعض السلف يجانبه الايمان ويكون فوقه كالظلة.
المراد به كماله الواجب لا الإيمان كله. (تقرير).
(مرجئة الفقهاء)
الامام أَبو حنيفة -رحمه الله- وشيخه حماد بن أَبي سليمان هما من مرجئة الفقهاء الذين يقولون لا تدخل أَعمال الجوارح في الايمان، مع أَنهم يقولون بالتغليظ فيها، انما هي مسأَلة الاسم فقط. والجمهور على خلاف هذا. (تقرير الحموية).
والخلاصة:
ما قولك الآن في الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم وهو يترحم على أبي حنيفة بل ويترضى عنه بل ويصفه بالإمامة وأنه من العلماء مع علمه بأنه من مرجئة الفقهاء؟
فإن كان الشيخ عندك من أهل البدع فلا تحتج بكلامه
وإن كان من أهل السنة لزمك إيجاد المخارج لهذه الكلمات وسلوك منهج الموازنات
وعلى كل حال فكلام الشيخ -رحمه الله- يحتج له ولا يحتج به فدع عنك الإرهاب والإلزام بما لا يلزم.
وأخيراً أقول لك: دعك من النقل عمن لا تعتقد علمه ولا إمامته ولا صلاحه؛ تكثُّراً تارةً، وإيهاماً وتلبيساً أخرى، وعند المحاققة تقول هو من باب الإلزام!
وما هو بإلزام إن تريد إلا فراراً!
قوله:
(فالتسوية بين من حكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة؛ مع قيام الشريعة، وظهورها، والحكم بها، والتحاكم إليها، وبين من نحى الشريعة جانباً، وفرض محلها القانون اللعين فرضاً على الناس، وساسهم به، وفوق ذلك جعل من نفسه مشرعاً؛ لا يقول بها إلا مرجئ طمس الله بصيرته، أو جاهل لم يفرق بين الصورتين.) اهـ
التعليق:
1-نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين.
2-لا شك أن من سوى بين الصورتين فإنه جاهل مطموس البصيرة.
3-وكذلك لا يستوي من زنى مرة واحدة، ومن غلب على بلد وأجبر أهلها على الدعارة وفتح لهم المواخير وأغدق عليهم الأموال لتشجيعهم على الزنا، ومن قال له اتق الله أخذته العزة بالإثم فقتله أو سجنه، ثم جعل لهم نظاماً معيناً وأجرة محددة ووضع الشروط والمواعيد ومع ذلك فهو مقر أنها معاص لكنه يسوف التوبة ويتلذذ بالشهوة ولا يجحد الحرمة ولا يستحل الزنا فلا يسوي بين هاتين الصورتين إلا من طمس الله بصيرته.
وكلامنا ليس في هذا وخلافنا ليس فيه، وإنما موضع النزاع في تكفيرك الثاني دون الأول، أو تفصيلك في الأول دون الثاني لمجرد غلظ المعصية وتقنينها والثواب والعقاب عليها من غير جحود ولا استحلال.
4-قولك: (ولا يقول بهذا إلا مرجئ) يلزم منه تبديع كل من قال بالتفصيل في تحكيم القوانين من أئمة الزمان-ولو في أحد قوليه-وقد فعلت!
قوله:
(أما ابن باز الذي تحتج المرجئة بكلامه؛ فقد سبق، وقلنا: من سبقه إلى اشتراط الاستحلال في مسألة تحكيم القوانين، وإلى رد إجماع ابن كثير، والتشكيك فيه؟ ...وقد طعن فيه ابن باز بغير حجة؛ كما في شريط الدمعة البازية؛ حيث قال له أحد الحضور: ابن كثير -فضيلة الشيخ -نقل في البداية والنهاية؛ الإجماع على كفره كفراً أكبر؛ قال ابن باز: لعله إذا نسبه إلى الشرع.... فقال: لا؛ قال -أي ابن كثير -: من حكم بغير شريعة الله من الشرائع المنزلة المنسوخة؛ فهو كافر؛ فكيف من حكم بغير ذلك من آراء البشر؛ لا شك أنه مرتد .. فقال ابن باز: ولو، ولو؛ ابن كثير ما هو معصوم؛ يحتاج تأمل، قد يغلط هو، وغيره، وما أكثر من يحكي الإجماع." انتهى.
التعليق:
1- إن كان قوله حقاً فلا يضره ألَّا يسبقه إليه أحد وإن كان باطلاً ووافقه ألف عالم لم يصر صواباً!
2- إن هذه المسألة الحادثة داخلة ضمن عموم (ومن لم يحكم بما أنزل الله) فهل نحتاج كلما استجدت مسألة من العموم أن نسبق إليها وإلا فلا نتكلم؟
3- سبق أن ألزمتك مراراً بأن مطلق الحكم بغير ما أنزل الله إن كان كفراً أكبر فهو كذلك ولو في قضية معينة واحدة وإن لم يكن إلا بالتفصيل فلا يغيرُ الحكمَ تقنينٌ وتعميمٌ وإلزامٌ، والا فدليلك ؟!
4- ظهر من خلال هذه المناظرة بين الجبل الراسخ ابن باز والتكفيري الجاهل صدقُ المثل القائل إن رأي الشيخ خيرٌ من مشهد الغلام، فقول ابن باز-رحمه الله-لعله إذا نسبه إلى الشرع هو الصواب الثابت عن ابن كثير –رحمه الله-والعجيب أنك نقلته بيدك وفي نفس الصفحة!
(وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلاً ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مراراً حتى يعيى ويقع مغشياً عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ، فإن كان هذا هكذا؛ فالظاهر إن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها. وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة؛ فسمع قائلاً يقول له: إنا قد ملكنا جنكيز خان وذريته وجه الأرض؛ قال الجويني: فمشايخ المغول يصدقون بهذا، ويأخذونه مسلماً؛) اهـ
قلت: فانظر وتأمل هذا الكلام لتعلم الفرق بين فراسة الإمام ومشهد الغلام.
على أن حقيقة الياسق وموقف التتار منه تعرضت له في غير هذا الموضع فلينظر هناك.
قوله:
(على أنه لم يأت بدليل واحد يقوي كلامه؛ فلا ذكر إجماعاً مخالفاً، ولا حتى قولاً لعالم من علماء ذاك العصر؛ أفتى بعدم كفر التتر؛ حتى يقول: خالف فلان؛ على فرض أن مثل هذا الخلاف ينقض الإجماع.
فيبقى كلامه ليس عليه أثارة من علم،) اهـ
التعليق:
1-أما المناظرات ففيها قد يندُّ عن ذهن العالم الدليل أو لا يستحضره أو أن السائل لم يسأله ولم يطلب منه ذلك أو غير ذلك من الملابسات فإن المقام ليس مقام تحرير إنما هو مقام سؤال وجواب بل أنت نفسك لا تستطيع أن تذكر الدليل في كل مسألة تفتى فيها.
2-أما الإجماع الذي طلبته فهو موجود؛ وكما سبق فإن هذه الصورة التي استجدت مندرجة تحت الأصل الكبير (ومن لم يحكم بما أنزل الله)، وعليه فقد قال شيخ الإسلام-ابن تيمية-رحمه الله-:
[" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" كفروا كفراً لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة] اهـ [7/312]
أ-فهل ترتضى بذلك من شيخ الإسلام؟
ب-وهل تثبت به الإجماع؟
ج-وهب أن هذا اللفظ الذي ذكره ليس نصاً صريحاً في الإجماع، لكنه نسبه لإمام أهل السنة بل ولغيره من أئمة السنة فبهذا يبطل قولك: "من سبق ابن باز لهذا" قطعاً؟
3-المتقرر عند ابن باز-رحمه الله-أن مطلق الحكم بغير ما أنزل الله فيه التفصيل المعروف عن السلف في تفسير الآية فيكون الحكم بالقانون بغير استحلال ولا جحود داخلاً تحت أحكام المعاصي والذنوب وبذلك يتقرر إدراج هذه الصورة تحت إجماع السلف على عدم تكفير العاصي ما لم يستحل، فما الذي يحتاجه الإمام ابن باز-رحمه الله-أكثر من هذا وهل سكوته عن إيراده إلا لأنه معلوم ظاهر؟
فهل يقال له بعد ذلك: "من سلفك؟" ومعه جميع السلف!
"وما دليلك؟" ومعه الاجماع!
4-لا يحتاج ابن باز-رحمه الله-أن يأتي بقول عالمٍ-أو أكثر-من علماء عصر التتار لم يكفرهم، لأنه لا يخالف في ذلك أصلاً، وكأن الشيخ-رحمه الله-لم يستحضر وقت المناظرة حالة التتار فاحتاط-وقد سدده الله-قائلاً: لعله يريد بذلك من نسبه إلى الشرع، وقد رأيت!
5-تخطئة ابن باز لابن كثير-رحمهما الله-فلتصور ابن باز-رحمه الله-بادي الرأي أن الياسق كالقوانين الوضعية التي يحكم بها الناس دون نسبتها لله -عز وجل-ولو كان الأمر كذلك فابن كثير-رحمه الله-مخطئ قطعاً، لكن الأمر على خلاف ذلك.
6-لماذا تخلط بين الإجماع على كفر التتار وبين تكفير التتار لتحكيمهم الياسق؟ فهل تكفير التتار كان من هذه الحيثية فحسب أم هو التلبيس والتعمية والخلط؟
7-إذا كنت تقرر أن مسألة تحكيم الياسق ليس لها نظير في تاريخ المسلمين قبل ذلك الزمان ومن أجل ذلك فصل السلف في الحكم بغير ما أنزل الله لأن الياسق لم يكن ظهر بعدُ-فضلاً عن القوانين الوضعية-فهل ابن كثير–رحمه الله-يحكي إجماعاً قد انعقد في عصره ولا علاقة له بإجماع السلف؟
أم أنه يحكي الإجماع الذي سبقه في الأعصر الأُوَل على تكفير الجاحد والمستحل؟
قال ابن كثير-رحمه الله-:
"فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر؛ فكيف بمن تحاكم إلى الياسا، وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين؛ قال الله تعالى: [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]، وقال تعالى: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً]" اهـ (البداية والنهاية 13/137-139)
ويلاحظ من كلامه-رحمه الله-أمور:
أ-أنه قرن الياسق بالشرائع المنسوخة ومعلوم أن اليهود والنصارى وغيرهم ممن يتحاكم إليها يزعم أنها من عند الله فينسبونها لله-رغم أنها نسخت!
ب-أنه-رحمه الله-نقل الإجماع على كفر من (تحاكم) إلى الياسق، وقمت أنت بقياس القوانين على الياسق، فكان يلزمك أن تكفر من (تحاكم) إلى القوانين أيضاً كما كفرت من (حكم) بها فتكفر عموم المسلمين وتسلك سبيل سيد قطب المبين، وإلا فلا تتلاعب بإجماع ابن كثير وأنت أول مخالف له!
ج-معلوم أن الذي يتحاكم إلى الياسق لم يشرع ولم يقنن ولم يثب ولم يعاقب ولم يحمل الناس على شيء من ذلك، فهل تستطيع أن تخبرنا ما سبب كفر هذا؟
د-أنه نص على أنهم يقدمونها على حكم الله وهذا التقديم هو عين التفضيل الذي نص أهل العلم على أنه مناط التكفير لا مجرد الحكم والتحاكم بلا تقديم ولا تفضيل. فافهم إن كنت من العاقلين!
هـ-أنه ذكر بعد حكاية الإجماع آيتين من كتاب الله-عز وجل-لو رجعت إلى تفسيره لهاتين الآيتين لأرحت واسترحت.
فإن عجزت وكسلت وتماديت وعاندت وكابرت فأنا أقوم عنك بهذا، وأضع أمامك كلام ابن كثير-رحمه الله-تحت هاتين الآيتين اللتين جعلهما المستند للإجماع الذي نقله هما بمثابة التفسير والتعليل له؛ حيث قال:
[من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين؛ قال الله تعالى: [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ .... وقال تعالى: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ....] اهـ
و_والآن تعالوا لننظر في تفسيره-رحمه الله-لهاتين الآيتين:
قال ابن كثير-رحمه الله-:
قَوْلُهُ تعالى:( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون).
يُنْكِرُ- تَعَالَى- عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ الياسق، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قد اقتبسها من شَرَائِعَ شَتَّى؛ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وغيرها، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نظره وهواه، فصارت في بينه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قال تَعَالَى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أَيْ يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَيْ وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقَلَ عَنِ الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ بِخُلُقِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حكم الله فحكم الجاهلية. وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أُفَضِّلُ بَيْنَ وَلَدِي فِي النَّحْلِ؟ قَرَأَ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.... الآية،
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «أبغض الناس إلى الله- عز وجل-، من يبتغي فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَطَالَبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة.
"وَقَوْلُهُ (فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُم)
يُقْسِمُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكِّمَ الرَّسُولَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَلِهَذَا قَالَ:( ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أَيْ إِذَا حَكَّمُوكَ يُطِيعُونَكَ فِي بَوَاطِنِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا حَكَمْتَ بِهِ، وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَيُسَلِّمُونَ لِذَلِكَ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ مُمَانِعَةٍ وَلَا مُدَافِعَةٍ وَلَا مُنَازِعَةٍ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ
هواه تبعا لم جِئْتُ بِهِ».
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: خَاصَمَ الزبير رجلاً في شراج الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» . وَاسْتَوْعَى النَّبِيّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وكان أشار عليهما-صلّى الله عليه وسلّم-بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية.
هكذا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا، أَعْنِي فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَفِي كِتَابِ الشُّرْبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ أَيْضًا، وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، ثُلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، فَذَكَرَهُ، وَصُورَتُهُ صُورَةُ الْإِرْسَالِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ فِي الْمَعْنَى.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَصَرَّحَ بِالْإِرْسَالِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ يُخَاصِمُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهَا كِلَاهُمَا، فَقَالَ النَّبِي-ُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلزُّبَيْرِ «اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟
فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَوْعَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبَيْنَ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ، رَوَاهُ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وهب، أخبرني اللَّيْثُ وَيُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مع النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى رَسُولِ اللَّه-ِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي شِرَاجِ «4» الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزُّبَيْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» وَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ السَّعَةَ له وللأنصاري، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ. وَجَعَلَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَذَا سَاقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ فَإِنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ:
صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَامَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بذكر عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ غَيْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ عَنْهُ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ رَجُلٍ مِنْ آلِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا إِلَى النَّبِيِّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَقَضَى لِلزُّبَيْرِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا قَضَى لَهُ لِأَنَّهُ ابْنُ عمته، فنزلت: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الْآيَةُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، اخْتَصَمَا فِي مَاءٍ، فَقَضَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَسْقِيَ الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلُ، هَذَا مُرْسَلٌ وَلَكِنْ فِيهِ فَائِدَةُ تَسْمِيَةِ الْأَنْصَارِيِّ.
ذِكْرُ سَبَبٍ آخَرَ غَرِيبٍ جِدًّا: - قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وأخبرني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأُسُودِ، قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى الله عليه وسلم- فقضى بينهما، فقال المقضي عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «نَعَمْ» ، انطلقا إليه، فلما أتيا إليه، فقال الرَّجُلُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَضَى لِي رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى هَذَا.
فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فردنا إليك: فقال: أكذاك؟ قال: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَكَانَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فأقضي بينكما. فخرج إليها مُشْتَمِلًا عَلَى سَيْفِهِ فَضَرَبَ الَّذِي قَالَ: رُدَّنَا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فأتى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلَ عُمَرُ وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْجَزْتُهُ لَقَتَلَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَجْتَرِئَ عُمَرُ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ» فَأَنْزَلَ اللَّه(ُ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ... الآية)، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عُمَرُ مِنْ قَتْلِهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ أَنْ يُسَنَّ ذلك بعد، فأنزل( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ....)،
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ بِهِ، وَهُوَ أثر غريب مُرْسَلٌ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: -قَالَ الْحَافِظُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ ضَمْرَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لِلْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَا أَرْضَى، فَقَالَ صَاحِبُهُ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنْ نَذْهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَذَهَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ لَهُ: قَدِ اخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم-، فقضى لي، فقال أبو بكر: أَنْتُمَا عَلَى مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ، فَأَبَى صَاحِبُهُ أَنْ يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ لَهُ: قَدِ اخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَضَى لِي عَلَيْهِ، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فَقَالَ كَذَلِكَ، فَدَخَلَ عُمَرُ مَنْزِلَهُ وَخَرَجَ وَالسَّيْفُ فِي يَدِهِ قَدْ سَلَّهُ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية اهـ.
وقال عند تفسير قوله-تعالى-:
[النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ]:
قد علم الله تعالى شفقة رسوله عَلَى أُمَّتِهِ وَنُصْحَهُ لَهُمْ، فَجَعَلَهُ أَوْلَى بِهِمْ من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مُقَدَّمًا عَلَى اخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.
وَفِي الصَّحِيحِ:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ). اهـ
قلت: وبعد أن اطلعت على كلام ابن كثير-رحمه الله-يمكنك أن تلاحظ الآتي:
1-ابن كثير-رحمه الله-ذكر في تفسيره للآية الأولى-التي جعلها مستند الإجماع –:
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أُفَضِّلُ بَيْنَ وَلَدِي فِي النَّحْلِ؟
قَرَأَ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟
فهذا يفسر المقصود بالأثر الأول:
قال الحسن: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حكم الله فحكم الجاهلية.
فهل ابن كثير-رحمه الله-يكفر من فضل بعض بنيه في النحلة-عندك-؟
2-ابن كثير-رحمه الله-ذكر في تفسيره للآية الثانية:
أنها نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة الصحابي البدري الأنصاري-رضي الله عنهما-
أ-تقرَّرَ في الأصول أن صورة السبب قطعية الدخول في العام فلا يجوز إخراجها منه بمخصص وهو التحقيق-راجع المذكرةصـ201-،
فهل سبب النزول-هنا-خارج عن المراد بالآية فلا تكفرُ حاطباً-رضي الله عنه-فتستثنيه من التكفير رغم أن الآية نزلت فيه، في حين تطبقها على من لم تنزل فيه؟
ب-أم تُحمِّل تكفيره لابن كثير-رحمه الله-بحجة أنه استدل بنفس الآية وفي نفس السياق على الكفر الأكبر؟
جـ-أم تُسَلِّم أن ابن كثير يفهم من الآية أنها تشمل الكفرين وليست نصاً في الكفر الأكبر وحينئذٍ نرجع إلى تفصيل السلف؟
3-تأمل كيف قرن بين الآية وبين هذين الحديثين:
أ-وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ).
ب- (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هواه تبعا لم جِئْتُ بِهِ).
4-الذي لا شك فيه من خلال تفسيره-رحمه الله-أنه إنما أراد حكاية الإجماع المشهور عن السلف في التفصيل بين والمستحل أو الجاحد وغيره، أما أن يحمل على استئناف إجماع جديد يظهر حكماً جديداً مع أن النصوص لا تساعد على ذلك بل جميع النصوص التي اعتمدوا عليها أو جعلوها مستنداً للإجماع فهي على التفصيل.
والله أعلم.
5- قولك " فيبقى كلامه ليس عليه أثارة من علم "
فالجواب: بل هو كلامُ راسخٍ في العلم لم تهزه حماسة القطبين عن مذهب السلف الصالحين.
والحمد لله رب العالمين.
....................................................
بقلم الشيخ محمود بن محفوظ
( http://www.mahfoouz.com/play-1061.html )
______________________
رد على عماد فراج في رسالته (مهمات في مسألة تحكيم القوانين)
........................
الحلقة الثانية (2)والاخيرة
قولك:
[الرابعة: من تأمل قصة الخوارج مع علي رضي الله عنه؛ وجد أنه لم ينكر عليهم تكفيرهم من حكم بغير ما أنزل الله؛ إنما أنكر عليهم رفضهم للتحكيم، وظنهم أنه مخالف لقول الله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، الذي احتجوا به عليه.] اهـ.
التعليق:
1-أين هذا الإقرار من عليٍّ-رضى الله عنه-لا سيما وهي مناظرة،
والمناظرات قد يستعمل فيها المناظر التسليم الجدلى والتنزل وغير ذلك،
وإلا فقل لي بربك كيف فهمت مناظرة إبراهيم-عليه السلام-مع النمرود -عليه اللعنة-لما قال أنا أحيي وأميت؟
هل أجابه الخليل -عليه السلام-؟
وهل لما ترك الخليل-عليه السلام-جوابه عن هذه؛ هل هذا يعد ٌإقراراً بربوبية النمرود وعدم إنكار لها؟ سبحان الله!
2-العجب مِن هذا، يطعن في على بن أبى طالب-رضي الله عنه-لنصرة مذهبه الخارجي؛ فإنه يرى أن علياً أقرَّ الخوارج على سيئ مذهبهم!
فمعلوم أن الخوارج فهموا من الآية تكفير من لم يحكم بما أنزل الله مطلقاً وبذلك كفروا مرتكب الكبيرة بل وبعضهم كفر العاصي مطلقاً واستدلوا بهذه الآية وغيرها فأراد هذا أن يجعل علياً-رضى الله عنه -مقراً لهم في أسوء ما هم عليه وأن يجعل الخلاف بينهم وبينه في رفضهم للتحكيم فحسب فيرمي علياً بمذهب الخوارج وهو لا يشعر.
3-التخبط في فهم النصوص والاستدلال،
فتارةً يقول بأن الآية تدل على أن من نازع الله في الحكم فهو كافرٌ الكفر الأكبر ويرى أن الخوارج قد فهموا الآية فهماً صحيحاً وقد أقرهم على بن أبى طالب!
وتارة يقول: إن مسألة تنحية الشريعة وتحكيم القوانين لم تكن في تلك الأزمنة وهي خارجة عن هذه القسمة التي دلت عليها الآية أصلاً.
وما زلنا معه في حيرة!
4-يبقى السؤال الذي ننتظر جوابه وبلا مراوغة هل تحكيم القوانين يستدل عليه بهذه الآية أم لا؟ وما وجه الدلالة؟ وما دليل التفصيل ؟!
نبئونا بعلمٍ إن كنتم صادقين.
5-قوله (نازع الله) فعلٌ والفعل يدل على الإطلاق لا العموم فهي كلمة مجملة تحتمل المنازعة المطلقة التي تقتضي الجحود لحكم الله واستحلال الحكم بغيره وادعاء حق التشريع دون الله وما إلى ذلك وهذا كفر أكبر بلا نزاع وتحميل مطلق المنازعة وهي المنازعة العملية التي لا تقتضي التكفير والتي أشار إليه حديث {عن أبي هريرة -قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله-عز وجل-:" الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما، قذفته في النار} رواه أبو داود وغيره،
ومعلومٌ أن التكبر من الكبائر، فهل تكفر المتكبر مطلقاً بلا تفصيل؟
أم تفصل؟
وإذا فصلت-وهذا ظني-فما دليل التفصيل رغم أنه منازع لله-عز وجل-فلماذا لم تكفره بإطلاق؟
6-لا نختلف في أن مبدأ الخلاف بين عليٌ-رضي الله عنه-والخوارج-كلاب النار-رفضهم التحكيم فهذا كان مبدأ الخلاف بينهم لكنهم-أي الخوارج-طردوا ذلك فكفروا مرتكبَ الكبيرة بل والصحابةَ جميعاً،
ألا ترى أن تكفير مرتكب الكبيرة لا ذكر له ساعتئذٍ وأنه ظهر بعد ذلك؟!
فكيف تحصر الخلاف في رفضهم للتحكيم، وظنهم أنه مخالف لقول الله-تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}؟
7-كلام الذهبي-رحمه الله-الذي استدللت به -وهو عندك من أهل البدع-لا يدل على ما ذكرت وفهمت.
8-قول عليٍ-رضي الله عنه-" كلمة حق أريد بها باطل " يدل دلالة قاطعة على ما ذهبنا لا ما فهمت أنت،
فالكلمة حق: لأنها كلام الله (لا حكم إلا لله)،
أريد بها باطل: دل على سوء فهمهم وقصدهم،
فمن أين لك أن علياً أقرهم؟
وهل كل سكوت إقرار؟
وهل إقرار غير المعصوم حجة؟
9-ما ذكرت عن علي-رضي الله عنه-أنه دعا بالمصحف، ووضعه بين يديه، وطفق يحركه بيده، ويقول: أيها المصحف حدث الناس؛ فناداه الناس؛ ما تسأل؟ إنما هو مداد، وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه؛ فماذا تريد؟ قال: أصحابكم الذين خرجوا؛ بيني وبينهم كتاب الله تعالى؛ يقول في كتابه: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} .... إلخ
لا اشكال فيه ولا دلالة فيه على ما ذهبت إليه من أنه أقرهم على فهمهم الخاطئ بأي وجه من الوجوه.
10-خطأ الخوارج في قولهم بأن ما فعله عليٌ-رضي الله عنه-هو تركٌ لحكم الله إلى غيره واضحٌ جلي،
وردُّ عليٍ-رضي الله عنه-عليهم واضحٌ أيضاً،
وسوقك الأمر بهذه الطريقة يوهن حقيقة الخلاف بين الصحابة والخوارج ويصوره في مجرد فهم خاطئ لآية، وهذا كما ترى فيه تقريب للخلاف بين أصحاب النبي وكلاب النار يشبه التقريب الإخواني بين السنة والشيعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قوله:
[الخامسة: مَن في زمان ابن عباس رضي الله عنهما؛ ترك الشرع المنزل، وافترع شريعة من عنده (القوانين الوضعية، والدساتير العلمانية)، وحكم بها؛ حتى تنزل المرجئة كلامه على الحكام المعاصرين، وتقول: قال ابن عباس: كفر دون كفر؟] اهـ
التعليق:
1- لا يلزم وقوعُ هذه الصورة في زمن ابن عباس-رضي الله عنهما-حتى يتنزل عليها قوله؛ لأنها فرد من أفراد من لم يحكم به أنزل الله وصورة من صورها، وهذا واضح جداً.
ألا ترى أنه ليس بلازم أيضاً وقوع جميع صور هذه المسألة في زمن ابن عباس حتى يتسنى له تفسيرها!
2- إن ابن عباس-رضي الله عنهما-لم يقصد حصر تفسير الآية في كفر دون كفر.
كيف وهي نازلة أصلاً في اليهود؟!
ولكنه قصد أنها تشمل كفراً دون كفر أيضاً،
وعلى هذا التفصيل درج السلف بلا تناقض بين أقوالهم، فمن كفَّر الكفر الأكبر فللجحود والاستحلال،
ومن نص على الأصغر فلغير الجحود والاستحلال وهذا واضح أيضاً.
3- دعوى أن هذه الصورة لم تقع في زمن ابن عباس خطأ لأن هذه الصورة وقعت قبل زمان النبي-صلى الله عليه وسلم-من اليهود حين غيروا حكم التوراة في الرجم وحرفوه إلى شريعة سارية نافذة؛ فهي أشبه ما يكون بقانونٍ وضعيٍ نسبوه لله رب العالمين، فكان كفرهم أكبر بلا خلاف، وهذا حقيقة ما فعله التتار في الياسق،
فإطلاق القول بأن هذا لم يقع في ذلك الزمان غفلة قبيحة.
فالحق أن كلا الصورتين وقع: صورة (الكفر الأكبر)، وصورة (كفر دون كفر).
وبقيت صورة:
(قانونٍ وضعيٍ لا يُنسب لله، ولا يُفضّل على حكم الله، ولا يُستحَلُّ الحكم به) فهي إحدى صور الكفر الأصغر لاختلافها عن صورة كفر اليهود حيث نسبوا تحريفهم لله وجحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بما كتبوه بأيديهم فلا يمكن إلحاق هذه الصورة الحادثة بتلك الصورة القديمة لقيام هذا الفارق الكبير.
قوله:
(على أن له قولاً آخر، وهو صحيح ثابت عنه، وهو قوله: (هي به كفر)، وفي لفظ: (كفى به كفره) رواه عبد الرزاق في تفسيره (1/191) بسند صحيح.) اهـ
التعليق:
قلت: مازال الرجل يتحفنا بما يظهر مبلغ علمه وقدر عقله!
فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" رواه مسلم.
فما الفرق؟ {هي به كفر} و{هما بهم كفر}!
وقوله: [وفي لفظ: (كفى به كفره)] ظن أنها تنفعه وأنها أصرح من سابقتها.
ومعناها: (كفره: الكفر الذي اتصف به) فما هو هذا الكفر؟
الجواب: يفسره اللفظ الآخر (كفر دون كفر)،
فهل كلمة (كفره) يفهم منها العقلاء أنها الأكبر ولابد؟
أم أنها في كفر مضاف إلى صاحبه وقد تقدم تفسيره في الروايات الأخر؟
وهب أنه الكفر الأكبر فهذا قطعاً في الجاحد والمستحل كما ذكر الطبري-رحمه الله-.
ليس العتب عليك وإنما العتب على من يقرأ لك ويعجبه شأنك! ويظن أنك على شيء.
قوله:
(إن هذه الآثار إنما نطق بها هؤلاء الأئمة؛ للرد على الخوارج الذين يكفرون كل من حاد عن شرع الله في الحكم، وهذا حق؛ فمن عظم الشريعة، وحكم بها، وحاكم إليها؛ ثم خالف حكم الله في مسألة، أو أكثر؛ فهذا ينطبق عليه قول من قال: (كفر دون كفر)؛ أما من نحى الشريعة جانباً، وحكم بالياسق، أو بالقانون الفرنسي، أو بغيره من القوانين؛ فهذا بلا مثنوية؛ كافر بالله العظيم.) اهـ
التعليق:
1- هذا حق قام به الأئمة القدماء في الرد على خوارج زمانهم وقام به الأئمة المعاصرون في الرد على خوارج عصرهم.
2- ومع ذلك فقولهم ذلك في مقام الرد على الخوارج لا يلزم منه الحصر في ذلك ولا إسقاط العموم من كلامهم.
3- زعمت أن من خالف حكم الله في مسألة، أو أكثر؛ فهذا ينطبق عليه قول من قال: كفر دون كفر) فما ضابط ذلك وهل له نهاية وما نهايته إن وجدت؟
4-هل مجال الحكم القضائي هو كل الشريعة ليصح القول بالتنحية للشريعة كلها؟
5-وماذا لو كانوا يصلون ويشهدون الجمع والجماعات-ولو أحياناً-ويجعلون جامعات تحت إشراف الدولة على التعليم الإسلامي -على زعمهم-وينطلقون من فتاوى الأزهر-على ما فيه-ولهم وزارات أوقاف ووعظ فهل يسلم لك القول بأن هؤلاء نحوا الشريعة كلها؟
4-قولك وحكم (بالياسق) أو (بالقانون) جمعٌ بين مختلفين. وقد سبق بيان حقيقة الياسق وموقف التتار منه.
قوله:
(حيث لم يفرقوا بين الحكم العام الذي صار شرعاً يتبع، ونظاماً تقوم عليه مؤسسات الدولة، وعقيدة راسخة عند حكامها يحمونها بقوة السلاح، ويعاقبون بالقتل والسجن من دعاهم إلى تركها، وتحكيم شرع الله، وبين الحكم في واقعة أو وقائع؛ مع تحكيم الشريعة) اهـ
التعليق:
1-إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله في واقعةٍ أو وقائع؛ لا يستلزم الكفر الأكبر فالتعميم أيضاً لا يستلزمه ولا فرق.
وإذا كان التعميم يستلزم التكفير فكذلك في الواقعة الواحدة يستلزم التكفير ولا فرق.
وإذ قد سلمت أن الحكم في الواقعة المعينة ليس كفراً أكبر لزمك أن تقول إنه معصية فحسب ولابد.
وإذا قلت ذلك تركت قولك ولابد!
ألا ترى أن تعميم المعاصي-التي لا تبلغ حد الكفر-والقتالَ عليها وإلزامَ الناس بها ليس كفراً أكبر؟
وإذا قلت: إن تعميم هذا الحكم-الذي أصله معصية لا كفر باعترافك-صار كفراً لزمك أن تكفر من حكم في القضية المعينة – ولو كان معظماً للشريعة ذائداً عن حياضها ولا يشفع له ذلك
ألا ترى أن قليل الكفر كفر وكثير المعصية معصية؟!
3-ولو سلمنا بذلك-جدلاً-فما حكم من لم يكفر هؤلاء المعينين أمرجئ هو عندك أم مجتهد مخطئ؟
4-ومن ثم فما قولك في الإمام أحمد-رحمه الله-من عدم تكفيره للمعتصم؟
وما حكمك في الإمام عبد العزيز الكناني-رحمه الله-ولم يكفر المأمون؟
مع حملهم الناس على مقولة الكفر بالسلاح والسجن والترغيب والترهيب؟
فهل تبدعهما؟
أم تكفرهما؟
أم تعذرهما؟
أم تسكت تقية؟
أم تسكت للمصلحة؟
أم تفرق بين القانون الوضعي والقول بخلق القرآن الذي صح فيه الإجماع على تكفير من قال القرآن مخلوق؟ فتأتي بالعجب؟!
فاذا كان الذي يحمل الناس على الحكم بغير ما أنزل الله بالسلاح كافر بالله العظيم بعينه بلا مثنوية؛ فكيف بمن يحمل الناس على الكفر المجرد وهو القول بخلق القرآن وكيف بمن لم يكفره؟
قوله:
(وكذلك في فهمهم لكلام أهل العلم؛ فابن إبراهيم، والشنقيطي، وأحمد شاكر -على سبيل المثال -عند ذكر الصورة الأولى؛ يقولون بالتفصيل المعروف، وفي الصورة الثانية: يصرحون بكفر من تلبس بها، وينبهون على أن مسألة تحكيم القوانين خارجة عن هذا التفصيل، وعلى أن من احتج بأثر ابن عباس، وأسقطه على هذه الصورة؛ فهو من المضللين.) اهـ
التعليق:
قلتَ في النصائح السلفية إلى مدرسة الإسكندرية- قبل أن تنتكس-:
[ثانيا: العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
"وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله من تحكيم شريعته والتقيد بها ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقدًا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة". اهـ (ص-ف62 –1 في9/1/1385)] اهـ
وقلت أيضاً في المرجع السابق-قبل الانتكاس-:
ولا تنس –أخي طالب الحق– إعادة النظر والتمعن فيما نقلناه لك من فتاوى أئمة العصر في مسألة تحكيم القوانين. وبهذه المناسبة نقول للذين يحتجون، بفتوى العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -المعروفة برسالة تحكيم القوانين-رويدكم، لا تفرحوا، فها نحن قد سقنا لكم فتوى له يوافق فيها سبيل من سلف ( ) فيما ذهبوا إليه من أن المسألة فيها تفصيل وأنه لا يكفر كفراً أكبر إلا إذا استحل، هذا وقد عورض الإمام ابن باز بفتوى شيخه هذه –أي: رسالة تحكيم القوانين-في اللقاء الذي أجرته معه مجلة الفرقان – العدد(82).
سئل –رحمه الله–:
هناك فتوى للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ –رحمه الله– يستدل بها أصحاب التكفير هؤلاء على أن الشيخ لا يفرق بين من حكم بغير شرع الله عز وجل مستحلاً ومن ليس كذلك، كما هو التفريق المعروف عند العلماء؟
الشيخ ابن باز: هذا الأمر مستقر عند العلماء كما قدمت أن من استحل ذلك فقد كفر، أما من لم يستحل ذلك كأن يحكم بالرشوة ونحوها؛ فهذا كفر دون كفر، أما إذا قامت دولة إسلامية لديها القدرة فعليها أن تجاهد من لا يحكم بما أنزل الله حتى تلزمه بذلك.
ثم سئل: وهم يستدلون بفتوى الشيخ إبراهيم؟
الشيخ ابن باز: محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم فهو عالم من العلماء، يخطئ ويصيب وليس نبيًا ولا رسولا، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء كلهم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يرد على فاعله.
وفي شريط (الدمعة البازية) احتج سلمان العودة –أيضاً– برسالة تحكيم القوانين، وجرى بينه وبين الشيخ ابن باز –رحمه الله– الحوار التالي:
سلمان: سماحة الشيخ، الشيخ محمد –رحمه الله– ابن إبراهيم في رسالته ذكر أن الدول التي تحكم بالقانون دول كفرية يجب الهجرة منها.
فقال الشيخ ابن باز: لظهور الشر، لظهور الكفر والمعاصي.
فقال سلمان: الذين يحكمون بالقانون.
فقال الشيخ ابن باز: شفت رسالته –الله يغفر له– بل يرى ظاهرهم الكفر، لأن وضعهم للقوانين دليل على رضي واستحلال، هذا ظاهر رسالته –رحمه الله– لكن أنا عندي فيها توقف، إنه ما يكفي هذا حتى يعرف أنه استحله، أما مجرد أنه حكم بغير ما أنزل الله أو أمر بذلك، ما يكفر بذلك مثل الذي أمر بالحكم على فلان أو قتل فلان ما يكفر بذلك حتى يستحله، الحجاج بن يوسف ما يكفر بذلك ولو قتل ما قتل حتى يستحل، لأن لهم شبهة، وعبد الملك ابن مروان، ومعاوية وغيرهم، ما يكفرون بهذا لعدم الاستحلال، وقتل النفوس أعظم من الزنا وأعظم من الحكم بالرشوة".اهـ بحروفه وهامشه!
أليس هذا ما خطه بنانك؟
أليس هذا ما رقمته يدك؟
فنعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر.
وقلت أيضاً في كتابك المومى إليه:
[وأما الشيخ الشنقيطي فقد احتجوا بكلام مجمل له، ضاربين بما فصل بعد ذلك ( ) عرض الحائط، وهذا ديدن أهل البدع في كل زمان ومكان يقولون ما لهم ويتركون ما عليهم، بينما أهل السنة لفرط إنصافهم وعدلهم يقولون ما لهم وما عليهم، أقول: فقد جئناكم –آنفا– بكلام للشيخ –رحمه الله – يدحض مزاعمكم، يبين فيه الشيخ الحق في هذه المسألة، وأنه يذهب فيها إلى التفصيل كغيره من إخوانه العلماء، يدلك على ذلك –أخي طالب الحق– أن الشيخ قال: "واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث.... الخ" فتأمل ( ) حتى لا يقول قائل لم لا يكون ما نقلناه عن الشيخ هو الأصل الذي يعتمد عليه والأخير من أقواله الذي استقر عليه.
وأنا أترك القارئ الكريم أن يقرأ ما نقله برهامي عن الشيخ الشنقيطي في هذه المسألة، ومنه:" فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأبدانهم، كفر بخالق السماوات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه خالق الخلائق لها، وهو أعلم بمصالحهم سبحانه وتعالى عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا". ثم أوجه إليه سؤالا: كيف سيكون حال الشباب بعدما يقرأ هذا الكلام، لا شك أن الشباب سيترسخ لديهم ما يلي:
أن مجرد تحكيم القوانين كفر أكبر مخرج من الملة.
أن المسألة ليس فيها أقوال أخرى للعلماء، لاسيما ولم ينقل الدكتور ياسر إلا ما وافق رأيه، وهي أقوال الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ الشنقيطي والشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمود شاكر؟!
ولو فرض أن الشباب قرأ شيئاً مخالفاً لما في المنة، فعلى أضعف الأحوال سيعتقد أن المسألة خلافية والخلاف ضعيف. -وإن كان برهامي لا يرى أنها خلافية-.
أما هو فلم ينقل إلا عن هؤلاء وليس هذا لضيق وقته أو فتور همته، إنما لأنه لم يجد لغير هؤلاء المشايخ الفضلاء ما يوافق كلامه ورأيه في المسألة، والصحيح أن شيئاً من ذلك لم يكن، أما فتوى الشيخ ابن إبراهيم وكلام الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان، فقد مر بك أنهما يوافقان إخوانهما من العلماء وأن الدكتور ومن على شاكلته قد ترك المحكم واتبع المتشابه ونقل المجمل وأعرض عن المفصل، وأما كلام الشيخ أحمد شاكر فقد نقله برهامي من (عمدة التفاسير) فقال: "المنة ص (172)" "ولقد بين الشيخ احمد شاكر والشيخ محمود شاكر ضلال من يقول: أن تحكيم القوانين الوضعية في التشريع العام كفر دون كفر وأنها من جنس ما قال فيه ابن عباس رضي الله عنهما لمن كانوا يسألونه من الخوارج ويستدلون على كفر حكام بنى أمية بقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فقال: فيه ابن عباس "كفر دون كفر".اهـ
وبالرجوع إلى عمدة التفاسير طبعة دار الوفاء (الطبعة التاسعة) المجلد الأول ص (وما بعدها).
لم نجد فيها ذكراً لحكام بني أمية، كما ذكر، وهذا الصنيع إذا تلبس به مسلم عد ذلك تدليساً فظيعاً وكذباً شنيعاً، فكيف بمن نسب نفسه لأهل العلم وتصدر للدعوة والتدريس؟! ولكن لا عجب فهو معتاد على هذا، حيث يدلس في النقول ويبتر فيها على حسب ما يوافق هواه.
أقول: وإذا كان الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله– يعتقد أن تحكيم القوانين لا يجوز أن يقال فيه أنه كفر دون كفر، ويشنع على المخالف في ذلك، فهذا اجتهاد منه -رحمه الله-والعلماء يخالف بعضهم بعضاً، والشيخ أحمد شاكر خالفه غير واحد في مسائل حديثية وفقهية، وهذه المسألة من الأشياء التي اجتهد فيها الشيخ وخولف(*)
وأيضاً عندما ينقل الباحث قولاً لعالم ما –وهو يعلم يقيناً– أن له قولاً آخر في المسألة، ثم يعمد إلى حجب هذا القول الآخر –لأنه على غير هواه– ألا يعد ذلك كذباً على هذا العالم، وتدليساً على القراء وغشاً لهم، إن برهامي إذ نقل قول الشيخ الشنقيطي في المسألة كان حرى به أن ينقل بقية أقواله، أما أن يعمد إلى ذكر ما يوافقه ويحجب ذكر ما يعارضه فليس هذا من صنيع أهل العلم. وأيضا الباحث يود لو جمع في بحثه جميع ما ذكر في المسألة من أقوال العلماء ليقوى بها بحثه وينصر بها رأيه، لاسيما والمسالة المطروحة شائكة، ومع ذلك رأيناه يكتفي بذكر ثلاثة نصوص فقط. لماذا؟! لأنه لم يجد غيرها، هذه واحدة، والثانية أنه يعرف أن ما قاله وذكره على شفا جرف هار، أما نحن فلما أردنا أن ننقل أقوال العلماء في المسألة لم نحتج إلى شيء من ذلك، بل وجدناها أمامنا متكاثرة يعضد بعضها بعضاً وينصر بعضها بعضاً، والذي تركناه من أقوالهم أكثر مما ذكرناه، لأن الحق قوي بنفسه لا يحتاج من ينصره، إنما نقلنا ما نقلنا من باب "أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" فتركنا فتاوى عبدالعزيز آل الشيخ والفوزان والغديان والجابري ومحمد عبد الوهاب البنا وصالح السحيمي وآل طامي والأطرم وعبد الصمد وصالح آل الشيخ وعلى فقيهي وغيرهم،
أفيليق بالباحث أن يترك هذه الأقوال المتكاثرة لجمهور أهل العلم ويذهب إلى أقوال هي في الحقيقة عند التأمل تعود إلى قول الجمهور؟! كفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم وكلام الشيخ الشنقيطي، أو تخالفه ككلام الشيخ أحمد شاكر، -وكما ذكرنا قبل أن المخالفة لا تضر-وأن العلماء مازالوا قديماً وحديثاً يختلفون، وعلى كل حال فالشيخ أحمد شاكر –رحمه الله-ليس بنبي ولا رسول.] اهـ بحروفه وهوامشه.
وزيادة على كلامك أضيف قائلاً:
1- إن كان كلام الشنقيطي-رحمه الله-حجة في التكفير بالحكم بالقوانين الوضعية بإطلاق وبلا تفصيل فهل تأخذ به أيضاً في تفسير هذه الآيات التي زعمت أن ابن عباس وغيره من الأئمة إنما فسروها في مقام الرد على الخوارج فحسب ص27 النصائح السلفية.
2- وهل كان الشنقيطي-رحمه الله-إذ فسرها بذلك مرجئاً؟ أم وافق قوله قول المرجئة؟
3- الفهم الصحيح لكلام الشنقيطي-رحمة الله عليه-يتضح من خلال قوله:
(الذين يعدلون عن نور الله الذي شرعه على ألسنة أوليائه) إنما قصد تحليل الحرام وتحريم الحلال حيث قال: (فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه الله).
ومعنى ذلك: أن من زعم تحريم ما أحله الله فهو مكذب لله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-، وكذلك من زعم تحليل ما أحله الله فهو مكذب لله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-أيضاً، أما من أقر بذلك التحليل والتحريم ثم حكم بغيره؛ فهي مسألة (الحكم بغير ما أنزل الله) التي فيها التفصيل المعروف.
قال الشنقيطي-رحمه الله-الذي احتججت بفهمك السيئ لكلامه-رحمه الله-:
ويفهم من هذه الآيات كقوله: (ولا يشرك في حكمه أحداً) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون"
فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان) اهـ [3/259]
وقال أيضاً:
(كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم وأن الطلاق ظلم للمرأة وأن الرجم والقطع ونحوهما من الأعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك فتحكيم هذا النوع كفر بخالق السماوات والأرض.) اهـ[3/259-260]
وقال أيضاً:
"واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منهما ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة والكفر المخرج من الملة تارة أخرى.
(ومن لم يحكم بما أنزل الله) معارضة للرسل وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقة وكفره كلها كفر مخرج عن الملة (ومن لم يحكم بما انزل الله) معتقداً أنه مرتكب حراماً فاعلٌ قبيحاً فكفره وظلمه وفسقة غير مخرج عن الملة "اهـ [الأضواء 1/407]
إلى أن قال:
"وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب فمن كان امتناعه من الحكم بما أنزل الله لقصد معارضته ورده والامتناع من التزامه فهو كافر ظالم فاسق كلها بمعناها المخرج من الملة ومن كان امتناعه من الحكم لهوى وهو يعتقد قبح فعله فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة إلا إذا كان بما امتنع من الحكم به شرطاً في صحة إيمانه كالامتناع من اعتقاد ما لابد من اعتقاده هذا هو الظاهر في الآيات المذكورة كما قدمنا والعلم عند الله تعالى"اهـ [1/411-412]
وقال أيضاً:
(وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين هو ما شرعه الله فكل تشريع من غيره باطل والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه) اهـ[7/48] الأضواء.
فهذا كلام الشنقيطي-رحمه الله-أوضح من شمس النهار أنه على التفصيل المعروف عن السلف سواء في قضية أو تشريع وأن مناط الكفر الأكبر عنده هو الاستحلال كالذين استحلوا الميتة أو الجحود كالذين يقولون الرجم وحشية والطلاق ظلم وهكذا،
ومن طمس الله بصيرته فخلط الأوراق ودلس على الناس فالله حسيبه.
ثم إن الشنقيطي-رحمه الله-ممن يترحم على أبي حنيفة ويدافع عنه ويلتمس له المعاذير بل ويراه إماماً!
فأنت الآن في مأزق خطير:
إما أن تبدعه ولا تحتج بكلامه؛ لأنه يفصل في تحكيم القوانين هذه واحدة،
ولا يبدع أبا حنيفة وهذه الثانية-عندك-.
وإما أن تعتذر له –مع ذلك-فيلزمك منهج الموازنات الذي تفر منه.
أو يلزمك ألا تبدع من قال بقوله وفصل كتفصيله.
ثم أليس محمد بن إبراهيم من هؤلاء الأئمة الذين أخفوا تبديع السلف لأبي حنيفة؟ فلماذا عفوت عنه ههنا بينما شمله عموم قولك في موضع آخر: [فليت شعري من أعطى علماء الدعوة حق التصرف في تراث الأمة والافتيات على إجماع أكابرها الذين أطبقوا على ذم مرجئة الفقهاء وتبديعهم والتحذير منهم على وجه العموم ومن أبي حنيفة على وجه الخصوص] أليس هو ممن وقع في [الخيانة العظمى والجناية الكبرى] أم تستثنيه من أئمة الدعوة؟ إجابة على تساؤلات صـ23
والآن مع بع أقوال الشيخ محمد بن إبراهيم في أبي حنيفة:
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله : ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال. (فتوي 1322)
( 2264 ـ لايشترط أن يحكم بصحة الوقف حاكم )
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الفضيلة رئيس المحكمة الشرعية الكبرى سلمه الله )
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد :
فبالاشارة إلى تحريركم المؤرخ 3/6/ 1375هـ بشأن استفهامكم عن وقف قاسم بن محمد النقشيندي . وماذكره في وقفه من الشروط ، وأن هذه الشروط تبطل الوقف على مذهب الامام أحمد ، وأنه وقف هذا الوقف ولم يحكم به حاكم ، ومذهب الامام أبي حنيفة أنه لايلزم الوقف إلا بحكم حاكم ، وأنه يريد إبطال هذا الوقف .
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عوض عتيق إلىباوى سلمه الله
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته . وبعد:-
فقد جرى الإطلاع على سؤالك عن الضبع أهي مباحة, أم لا؟
يأكلون الخشيشة, وإلافيون, ونحوهما من المسكرات والمفترات .
والجواب:-وبالله التوفيق , وأن العلماء في الضبع قولين :- أحدهما التحريم, وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه على أساس أنها من ذوات إلأنياب التي جاء فيها حديث أبى هريرة, عن النبي( أنه قال :"كل ذي ناب من السباع فاكله حرام" رواه مسلم.
(974 ـ أخذ الذهب والفضة عن الجذعة )
وأما الدليل على أخذ الذهب والفضة بدلاً من الجذعة والقيمة في الزكاة عن بهيمة الأنعام . فلا أعلم فيه دليلاً صحيحاً صريحاً من السنة ، ولهذا ذهب الجمهور إلى المنع من دفع القيمة وأنها لا تجزئ ،وجوز ذلك أبو حنيفة رحمه الله
وتوريث ذوي الأرحام هو مذهب الامام أبي حنيفة رحمة الله عليه ،ومذهب الامام أحمد رحمه الله ، وثاني قولي الامام الشافعي رحمه الله ، ودليل توريثهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الخال وارث من لا وارث له"(4) والله أعلم .وصلى الله عليه وسلم وآله وصحبه .
(ص / ف 133 في 14 / 3/ 1375) .
ومحمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً. قوله: من غير تفسير. أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.
مفتي الديار السعودية (ص/ف 3486/ في 28/7/1389هـ)
وقال عن كتاب الفقه الأكبر (4498- الفقه الأكبر)
شهرته معروفة معلومة وثابت عن أبي حنيفة بالأسانيد الثابتة، ويوجد من هو داعي في الأحناف ليس منهم أشكل عيه نسبته إليه، وذلك لما دخل عليه من التجهم فرآه يخالف معتقده، وذلك أن كثيراً منهم أشعرية الاعتقاد أو ما تريدية الاعتقاد، فرأوا أنه يتعين نفي ذلك عن أبي حنيفة، وان الإمام إمام صدق، وذلك لجهلهم بإمامهم وبالكتاب والسنة، كما وقع لغيرهم من أتباع الأئمة. (تقرير حموية).
ولما حضر أُناس إلى الإمام أَبي حنيفة رحمه الله وسأَلوه عن وجود الله سبحانه وتعالى، قال لهم: دعوني فإني مفكر في أَمر أُخبرت عنه، لقد ذكر لي أَن سفينة في البحر موقرة فيها أَنواع من المتاجر وليس بها أَحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أَن يسوقها أَحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال لهم الإمام أَبو حنيفة: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأَشياء المحكمة أَليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأَسلموا على يديه لله رب العالمين. (ص-م-11-10-87هـ)
((لاَ يَزْنيْ الزَّانيْ حيْنَ يَزْنيْ وَهُوَ مُؤْمنٌ)) قول بعض السلف يجانبه الايمان ويكون فوقه كالظلة.
المراد به كماله الواجب لا الإيمان كله. (تقرير).
(مرجئة الفقهاء)
الامام أَبو حنيفة -رحمه الله- وشيخه حماد بن أَبي سليمان هما من مرجئة الفقهاء الذين يقولون لا تدخل أَعمال الجوارح في الايمان، مع أَنهم يقولون بالتغليظ فيها، انما هي مسأَلة الاسم فقط. والجمهور على خلاف هذا. (تقرير الحموية).
والخلاصة:
ما قولك الآن في الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم وهو يترحم على أبي حنيفة بل ويترضى عنه بل ويصفه بالإمامة وأنه من العلماء مع علمه بأنه من مرجئة الفقهاء؟
فإن كان الشيخ عندك من أهل البدع فلا تحتج بكلامه
وإن كان من أهل السنة لزمك إيجاد المخارج لهذه الكلمات وسلوك منهج الموازنات
وعلى كل حال فكلام الشيخ -رحمه الله- يحتج له ولا يحتج به فدع عنك الإرهاب والإلزام بما لا يلزم.
وأخيراً أقول لك: دعك من النقل عمن لا تعتقد علمه ولا إمامته ولا صلاحه؛ تكثُّراً تارةً، وإيهاماً وتلبيساً أخرى، وعند المحاققة تقول هو من باب الإلزام!
وما هو بإلزام إن تريد إلا فراراً!
قوله:
(فالتسوية بين من حكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة؛ مع قيام الشريعة، وظهورها، والحكم بها، والتحاكم إليها، وبين من نحى الشريعة جانباً، وفرض محلها القانون اللعين فرضاً على الناس، وساسهم به، وفوق ذلك جعل من نفسه مشرعاً؛ لا يقول بها إلا مرجئ طمس الله بصيرته، أو جاهل لم يفرق بين الصورتين.) اهـ
التعليق:
1-نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين.
2-لا شك أن من سوى بين الصورتين فإنه جاهل مطموس البصيرة.
3-وكذلك لا يستوي من زنى مرة واحدة، ومن غلب على بلد وأجبر أهلها على الدعارة وفتح لهم المواخير وأغدق عليهم الأموال لتشجيعهم على الزنا، ومن قال له اتق الله أخذته العزة بالإثم فقتله أو سجنه، ثم جعل لهم نظاماً معيناً وأجرة محددة ووضع الشروط والمواعيد ومع ذلك فهو مقر أنها معاص لكنه يسوف التوبة ويتلذذ بالشهوة ولا يجحد الحرمة ولا يستحل الزنا فلا يسوي بين هاتين الصورتين إلا من طمس الله بصيرته.
وكلامنا ليس في هذا وخلافنا ليس فيه، وإنما موضع النزاع في تكفيرك الثاني دون الأول، أو تفصيلك في الأول دون الثاني لمجرد غلظ المعصية وتقنينها والثواب والعقاب عليها من غير جحود ولا استحلال.
4-قولك: (ولا يقول بهذا إلا مرجئ) يلزم منه تبديع كل من قال بالتفصيل في تحكيم القوانين من أئمة الزمان-ولو في أحد قوليه-وقد فعلت!
قوله:
(أما ابن باز الذي تحتج المرجئة بكلامه؛ فقد سبق، وقلنا: من سبقه إلى اشتراط الاستحلال في مسألة تحكيم القوانين، وإلى رد إجماع ابن كثير، والتشكيك فيه؟ ...وقد طعن فيه ابن باز بغير حجة؛ كما في شريط الدمعة البازية؛ حيث قال له أحد الحضور: ابن كثير -فضيلة الشيخ -نقل في البداية والنهاية؛ الإجماع على كفره كفراً أكبر؛ قال ابن باز: لعله إذا نسبه إلى الشرع.... فقال: لا؛ قال -أي ابن كثير -: من حكم بغير شريعة الله من الشرائع المنزلة المنسوخة؛ فهو كافر؛ فكيف من حكم بغير ذلك من آراء البشر؛ لا شك أنه مرتد .. فقال ابن باز: ولو، ولو؛ ابن كثير ما هو معصوم؛ يحتاج تأمل، قد يغلط هو، وغيره، وما أكثر من يحكي الإجماع." انتهى.
التعليق:
1- إن كان قوله حقاً فلا يضره ألَّا يسبقه إليه أحد وإن كان باطلاً ووافقه ألف عالم لم يصر صواباً!
2- إن هذه المسألة الحادثة داخلة ضمن عموم (ومن لم يحكم بما أنزل الله) فهل نحتاج كلما استجدت مسألة من العموم أن نسبق إليها وإلا فلا نتكلم؟
3- سبق أن ألزمتك مراراً بأن مطلق الحكم بغير ما أنزل الله إن كان كفراً أكبر فهو كذلك ولو في قضية معينة واحدة وإن لم يكن إلا بالتفصيل فلا يغيرُ الحكمَ تقنينٌ وتعميمٌ وإلزامٌ، والا فدليلك ؟!
4- ظهر من خلال هذه المناظرة بين الجبل الراسخ ابن باز والتكفيري الجاهل صدقُ المثل القائل إن رأي الشيخ خيرٌ من مشهد الغلام، فقول ابن باز-رحمه الله-لعله إذا نسبه إلى الشرع هو الصواب الثابت عن ابن كثير –رحمه الله-والعجيب أنك نقلته بيدك وفي نفس الصفحة!
(وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلاً ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مراراً حتى يعيى ويقع مغشياً عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ، فإن كان هذا هكذا؛ فالظاهر إن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها. وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة؛ فسمع قائلاً يقول له: إنا قد ملكنا جنكيز خان وذريته وجه الأرض؛ قال الجويني: فمشايخ المغول يصدقون بهذا، ويأخذونه مسلماً؛) اهـ
قلت: فانظر وتأمل هذا الكلام لتعلم الفرق بين فراسة الإمام ومشهد الغلام.
على أن حقيقة الياسق وموقف التتار منه تعرضت له في غير هذا الموضع فلينظر هناك.
قوله:
(على أنه لم يأت بدليل واحد يقوي كلامه؛ فلا ذكر إجماعاً مخالفاً، ولا حتى قولاً لعالم من علماء ذاك العصر؛ أفتى بعدم كفر التتر؛ حتى يقول: خالف فلان؛ على فرض أن مثل هذا الخلاف ينقض الإجماع.
فيبقى كلامه ليس عليه أثارة من علم،) اهـ
التعليق:
1-أما المناظرات ففيها قد يندُّ عن ذهن العالم الدليل أو لا يستحضره أو أن السائل لم يسأله ولم يطلب منه ذلك أو غير ذلك من الملابسات فإن المقام ليس مقام تحرير إنما هو مقام سؤال وجواب بل أنت نفسك لا تستطيع أن تذكر الدليل في كل مسألة تفتى فيها.
2-أما الإجماع الذي طلبته فهو موجود؛ وكما سبق فإن هذه الصورة التي استجدت مندرجة تحت الأصل الكبير (ومن لم يحكم بما أنزل الله)، وعليه فقد قال شيخ الإسلام-ابن تيمية-رحمه الله-:
[" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" كفروا كفراً لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة] اهـ [7/312]
أ-فهل ترتضى بذلك من شيخ الإسلام؟
ب-وهل تثبت به الإجماع؟
ج-وهب أن هذا اللفظ الذي ذكره ليس نصاً صريحاً في الإجماع، لكنه نسبه لإمام أهل السنة بل ولغيره من أئمة السنة فبهذا يبطل قولك: "من سبق ابن باز لهذا" قطعاً؟
3-المتقرر عند ابن باز-رحمه الله-أن مطلق الحكم بغير ما أنزل الله فيه التفصيل المعروف عن السلف في تفسير الآية فيكون الحكم بالقانون بغير استحلال ولا جحود داخلاً تحت أحكام المعاصي والذنوب وبذلك يتقرر إدراج هذه الصورة تحت إجماع السلف على عدم تكفير العاصي ما لم يستحل، فما الذي يحتاجه الإمام ابن باز-رحمه الله-أكثر من هذا وهل سكوته عن إيراده إلا لأنه معلوم ظاهر؟
فهل يقال له بعد ذلك: "من سلفك؟" ومعه جميع السلف!
"وما دليلك؟" ومعه الاجماع!
4-لا يحتاج ابن باز-رحمه الله-أن يأتي بقول عالمٍ-أو أكثر-من علماء عصر التتار لم يكفرهم، لأنه لا يخالف في ذلك أصلاً، وكأن الشيخ-رحمه الله-لم يستحضر وقت المناظرة حالة التتار فاحتاط-وقد سدده الله-قائلاً: لعله يريد بذلك من نسبه إلى الشرع، وقد رأيت!
5-تخطئة ابن باز لابن كثير-رحمهما الله-فلتصور ابن باز-رحمه الله-بادي الرأي أن الياسق كالقوانين الوضعية التي يحكم بها الناس دون نسبتها لله -عز وجل-ولو كان الأمر كذلك فابن كثير-رحمه الله-مخطئ قطعاً، لكن الأمر على خلاف ذلك.
6-لماذا تخلط بين الإجماع على كفر التتار وبين تكفير التتار لتحكيمهم الياسق؟ فهل تكفير التتار كان من هذه الحيثية فحسب أم هو التلبيس والتعمية والخلط؟
7-إذا كنت تقرر أن مسألة تحكيم الياسق ليس لها نظير في تاريخ المسلمين قبل ذلك الزمان ومن أجل ذلك فصل السلف في الحكم بغير ما أنزل الله لأن الياسق لم يكن ظهر بعدُ-فضلاً عن القوانين الوضعية-فهل ابن كثير–رحمه الله-يحكي إجماعاً قد انعقد في عصره ولا علاقة له بإجماع السلف؟
أم أنه يحكي الإجماع الذي سبقه في الأعصر الأُوَل على تكفير الجاحد والمستحل؟
قال ابن كثير-رحمه الله-:
"فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر؛ فكيف بمن تحاكم إلى الياسا، وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين؛ قال الله تعالى: [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]، وقال تعالى: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً]" اهـ (البداية والنهاية 13/137-139)
ويلاحظ من كلامه-رحمه الله-أمور:
أ-أنه قرن الياسق بالشرائع المنسوخة ومعلوم أن اليهود والنصارى وغيرهم ممن يتحاكم إليها يزعم أنها من عند الله فينسبونها لله-رغم أنها نسخت!
ب-أنه-رحمه الله-نقل الإجماع على كفر من (تحاكم) إلى الياسق، وقمت أنت بقياس القوانين على الياسق، فكان يلزمك أن تكفر من (تحاكم) إلى القوانين أيضاً كما كفرت من (حكم) بها فتكفر عموم المسلمين وتسلك سبيل سيد قطب المبين، وإلا فلا تتلاعب بإجماع ابن كثير وأنت أول مخالف له!
ج-معلوم أن الذي يتحاكم إلى الياسق لم يشرع ولم يقنن ولم يثب ولم يعاقب ولم يحمل الناس على شيء من ذلك، فهل تستطيع أن تخبرنا ما سبب كفر هذا؟
د-أنه نص على أنهم يقدمونها على حكم الله وهذا التقديم هو عين التفضيل الذي نص أهل العلم على أنه مناط التكفير لا مجرد الحكم والتحاكم بلا تقديم ولا تفضيل. فافهم إن كنت من العاقلين!
هـ-أنه ذكر بعد حكاية الإجماع آيتين من كتاب الله-عز وجل-لو رجعت إلى تفسيره لهاتين الآيتين لأرحت واسترحت.
فإن عجزت وكسلت وتماديت وعاندت وكابرت فأنا أقوم عنك بهذا، وأضع أمامك كلام ابن كثير-رحمه الله-تحت هاتين الآيتين اللتين جعلهما المستند للإجماع الذي نقله هما بمثابة التفسير والتعليل له؛ حيث قال:
[من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين؛ قال الله تعالى: [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ .... وقال تعالى: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ....] اهـ
و_والآن تعالوا لننظر في تفسيره-رحمه الله-لهاتين الآيتين:
قال ابن كثير-رحمه الله-:
قَوْلُهُ تعالى:( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون).
يُنْكِرُ- تَعَالَى- عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ الياسق، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قد اقتبسها من شَرَائِعَ شَتَّى؛ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وغيرها، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نظره وهواه، فصارت في بينه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قال تَعَالَى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أَيْ يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَيْ وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقَلَ عَنِ الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ بِخُلُقِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَّاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حكم الله فحكم الجاهلية. وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أُفَضِّلُ بَيْنَ وَلَدِي فِي النَّحْلِ؟ قَرَأَ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.... الآية،
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «أبغض الناس إلى الله- عز وجل-، من يبتغي فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَطَالَبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة.
"وَقَوْلُهُ (فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُم)
يُقْسِمُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكِّمَ الرَّسُولَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَمَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَلِهَذَا قَالَ:( ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أَيْ إِذَا حَكَّمُوكَ يُطِيعُونَكَ فِي بَوَاطِنِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا حَكَمْتَ بِهِ، وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَيُسَلِّمُونَ لِذَلِكَ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ مُمَانِعَةٍ وَلَا مُدَافِعَةٍ وَلَا مُنَازِعَةٍ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ
هواه تبعا لم جِئْتُ بِهِ».
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: خَاصَمَ الزبير رجلاً في شراج الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» . وَاسْتَوْعَى النَّبِيّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وكان أشار عليهما-صلّى الله عليه وسلّم-بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية.
هكذا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا، أَعْنِي فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَفِي كِتَابِ الشُّرْبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ أَيْضًا، وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، ثُلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، فَذَكَرَهُ، وَصُورَتُهُ صُورَةُ الْإِرْسَالِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ فِي الْمَعْنَى.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَصَرَّحَ بِالْإِرْسَالِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ يُخَاصِمُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهَا كِلَاهُمَا، فَقَالَ النَّبِي-ُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلزُّبَيْرِ «اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟
فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَوْعَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبَيْنَ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ، رَوَاهُ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وهب، أخبرني اللَّيْثُ وَيُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مع النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى رَسُولِ اللَّه-ِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي شِرَاجِ «4» الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزُّبَيْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» وَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ السَّعَةَ له وللأنصاري، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ. وَجَعَلَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَذَا سَاقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ فَإِنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ:
صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَامَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بذكر عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ غَيْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ عَنْهُ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ رَجُلٍ مِنْ آلِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا إِلَى النَّبِيِّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَقَضَى لِلزُّبَيْرِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا قَضَى لَهُ لِأَنَّهُ ابْنُ عمته، فنزلت: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الْآيَةُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، اخْتَصَمَا فِي مَاءٍ، فَقَضَى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَسْقِيَ الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلُ، هَذَا مُرْسَلٌ وَلَكِنْ فِيهِ فَائِدَةُ تَسْمِيَةِ الْأَنْصَارِيِّ.
ذِكْرُ سَبَبٍ آخَرَ غَرِيبٍ جِدًّا: - قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وأخبرني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأُسُودِ، قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى الله عليه وسلم- فقضى بينهما، فقال المقضي عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «نَعَمْ» ، انطلقا إليه، فلما أتيا إليه، فقال الرَّجُلُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَضَى لِي رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى هَذَا.
فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فردنا إليك: فقال: أكذاك؟ قال: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَكَانَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فأقضي بينكما. فخرج إليها مُشْتَمِلًا عَلَى سَيْفِهِ فَضَرَبَ الَّذِي قَالَ: رُدَّنَا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فأتى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلَ عُمَرُ وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْجَزْتُهُ لَقَتَلَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَجْتَرِئَ عُمَرُ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ» فَأَنْزَلَ اللَّه(ُ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ... الآية)، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عُمَرُ مِنْ قَتْلِهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ أَنْ يُسَنَّ ذلك بعد، فأنزل( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ....)،
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ بِهِ، وَهُوَ أثر غريب مُرْسَلٌ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: -قَالَ الْحَافِظُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ ضَمْرَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لِلْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَا أَرْضَى، فَقَالَ صَاحِبُهُ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنْ نَذْهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَذَهَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ لَهُ: قَدِ اخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم-، فقضى لي، فقال أبو بكر: أَنْتُمَا عَلَى مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ، فَأَبَى صَاحِبُهُ أَنْ يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ لَهُ: قَدِ اخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَضَى لِي عَلَيْهِ، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فَقَالَ كَذَلِكَ، فَدَخَلَ عُمَرُ مَنْزِلَهُ وَخَرَجَ وَالسَّيْفُ فِي يَدِهِ قَدْ سَلَّهُ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية اهـ.
وقال عند تفسير قوله-تعالى-:
[النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ]:
قد علم الله تعالى شفقة رسوله عَلَى أُمَّتِهِ وَنُصْحَهُ لَهُمْ، فَجَعَلَهُ أَوْلَى بِهِمْ من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مُقَدَّمًا عَلَى اخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.
وَفِي الصَّحِيحِ:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ). اهـ
قلت: وبعد أن اطلعت على كلام ابن كثير-رحمه الله-يمكنك أن تلاحظ الآتي:
1-ابن كثير-رحمه الله-ذكر في تفسيره للآية الأولى-التي جعلها مستند الإجماع –:
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أُفَضِّلُ بَيْنَ وَلَدِي فِي النَّحْلِ؟
قَرَأَ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟
فهذا يفسر المقصود بالأثر الأول:
قال الحسن: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حكم الله فحكم الجاهلية.
فهل ابن كثير-رحمه الله-يكفر من فضل بعض بنيه في النحلة-عندك-؟
2-ابن كثير-رحمه الله-ذكر في تفسيره للآية الثانية:
أنها نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة الصحابي البدري الأنصاري-رضي الله عنهما-
أ-تقرَّرَ في الأصول أن صورة السبب قطعية الدخول في العام فلا يجوز إخراجها منه بمخصص وهو التحقيق-راجع المذكرةصـ201-،
فهل سبب النزول-هنا-خارج عن المراد بالآية فلا تكفرُ حاطباً-رضي الله عنه-فتستثنيه من التكفير رغم أن الآية نزلت فيه، في حين تطبقها على من لم تنزل فيه؟
ب-أم تُحمِّل تكفيره لابن كثير-رحمه الله-بحجة أنه استدل بنفس الآية وفي نفس السياق على الكفر الأكبر؟
جـ-أم تُسَلِّم أن ابن كثير يفهم من الآية أنها تشمل الكفرين وليست نصاً في الكفر الأكبر وحينئذٍ نرجع إلى تفصيل السلف؟
3-تأمل كيف قرن بين الآية وبين هذين الحديثين:
أ-وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ).
ب- (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هواه تبعا لم جِئْتُ بِهِ).
4-الذي لا شك فيه من خلال تفسيره-رحمه الله-أنه إنما أراد حكاية الإجماع المشهور عن السلف في التفصيل بين والمستحل أو الجاحد وغيره، أما أن يحمل على استئناف إجماع جديد يظهر حكماً جديداً مع أن النصوص لا تساعد على ذلك بل جميع النصوص التي اعتمدوا عليها أو جعلوها مستنداً للإجماع فهي على التفصيل.
والله أعلم.
5- قولك " فيبقى كلامه ليس عليه أثارة من علم "
فالجواب: بل هو كلامُ راسخٍ في العلم لم تهزه حماسة القطبين عن مذهب السلف الصالحين.
والحمد لله رب العالمين.
....................................................
بقلم الشيخ محمود بن محفوظ
( http://www.mahfoouz.com/play-1061.html )
______________________

0 التعليقات:
إرسال تعليق